ما الذي يمنح الدولة شرعيتها؟ هل هي القدرة على فرض النظام أم على خلق مجتمع متوازن؟ منذ نشأة الدولة الحديثة، ظل السؤال الجوهري مرتبطًا بمدى قدرة السلطة على التوفيق بين وحدتها وسياسات التوزيع العادل للثروة والقرار. في السياق المغربي، تتجلى هذه الإشكالية في التوتر القائم بين مركزية الدولة وطموح الجهوية المتقدمة.
يرى فوكو أن “السلطة لا تمارس فقط عبر القوانين، بل عبر طرق توزيعها”، ما يعني أن نموذج الدولة ليس مجرد مسألة مؤسساتية، بل هو انعكاس لعلاقات القوة داخل المجتمع. فهل يمكن لنموذج الجهوية المتقدمة أن يكون فعلًا قطيعة مع الهيمنة المركزية، أم أنه مجرد إعادة توزيع شكلي للسلطة دون تغيير جوهري في بنيتها؟
الجهوية المتقدمة: هل نحن أمام تحول حق
في الخطاب الرسمي، يتم تقديم الجهوية المتقدمة كخطوة نحو تحقيق التنمية المحلية، وكأداة ديمقراطية تمنح الجهات استقلاليةً نسبيةً في تدبير شؤونها. لكن ماذا تعني الجهوية إن لم تكن مصحوبة بتحول في موازين القوى السياسية والاقتصادية؟
- هل يمكن للجهوية أن تكون فعلية في ظل استمرار تبعية الجهات لسلطة المركز؟
- كيف يمكن تحقيق توزيع حقيقي للثروة إذا ظلت القرارات الاقتصادية الكبرى تُتخذ في المركز؟
- هل يمكن الحديث عن ديمقراطية مجالية إذا لم تكن هناك آليات تضمن إشراك المواطن في القرارات المحلية؟
إن الجهوية لا ينبغي أن تكون مجرد إصلاح إداري، بل رؤية جديدة للدولة تقوم على منطق الشراكة بين المركز والهوامش بدلًا من الهيمنة الهرمية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل السلطة مستعدة للتخلي عن سيطرتها مقابل توزيع عادل للموارد والصلاحيات؟
بين النموذج المركزي والجهوي: أي مستقبل للمغرب؟
إن تبني نموذج جهوية حقيقي لا يعني فقط نقل بعض الصلاحيات إلى الجهات، بل يتطلب إعادة التفكير في فلسفة الحكم نفسها. فالدولة الحديثة لم تعد قادرة على الاستمرار بالمنطق السلطوي التقليدي، بل هي بحاجة إلى تطوير نموذج حكم يسمح للأقاليم بأن تدير نفسها بشكل أكثر استقلالية، مع الحفاظ على وحدة الدولة.
لكن، هل يمكن تحقيق هذا التوازن دون حدوث صراعات بين الجهات والمركز؟ وهل يمكن تفادي أن تتحول الجهوية إلى وسيلة لترسيخ الفجوات بدلًا من أن تكون أداة لتحقيق العدالة المجالية؟
إذا كانت الجهوية مجرد آلية لإدارة السلطة من دون أن تكون وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية، فإنها ستظل إصلاحًا فارغًا. فكيف يمكن أن نجعل من الجهوية مشروعًا ديمقراطيًا حقيقيًا بدلًا من أن تكون مجرد تكتيك سياسي؟

