هدى السحلي تكتب ..احتجاجات جيل زد: حتى لا تصل الى طريق مسدود

هدى سحلي
بقلم: هدى السحلي
في البداية أجدني مضطرة كما العديد من أبناء جيلي الذين خاضوا تجربة حركة 20 فبراير المجيدة، إلى توضيح والتأكيد على أنه وإن كنا نتفاعل مع احتجاجات هذا الجيل ونتبنى مطالبهم التي نعتبرها امتدادا للمطالب والشعارات التي رفعناها سنة 2011، فإننا لا نقصد بأي حال من الأحوال ممارسة وصاية على حراكهم أو الركوب عليها، بقدر ما نعبر عن تأييدنا لها ولمشروعيتها والرغبة في إنجاحها كما نجحت حركة 20 فبراير في إقرار دستور جديد بكل الملاحظات التي سجلناها عليه إبانه وبعد اخضاعه للتفعيل مع كل النقائص التي افرزها واقع التفعيل دستوريا وسياسية ومؤسساتيا.
مرة أخرى يخرج الشباب الى الشوارع للتعبير عن حالة اللاعدالة اجتماعية والاقصاء من الاستفادة من الخدمات العمومية والتوزيع غير العادل للثروات.
يخرج الشباب ولا يملكون إلا اصواتهم ووسائل تواصلية جديدة ربما معظمنا حتى نحن الجيل القريب منهم لا نفقه فيها شيئا إلا بعض التطبيقات التي لا نوظف الا امكانياتها البازيك basic.
خرج الشباب الى الشارع، والذين وإن كنا ندعوا لعدم التدخل فيهم او توجيههم، فلا يعفينا ذلك من مشاركتهم ومشاركة الجميع بعض الأخطاء أو التقديرات التي أملتها ظروف وسياق الربيع العربي في صيغته المغربية، حرصا على تأمين النقاش العمومي حول المطالب التي يرفعونها وضمانا لاستمراريتها وإحقاقها دستوريا وسياسيا وقانونيا، دون الالتفاف عليها، ودون وصول حراكهم والحراكات التي جرت منذ 2011 الى الطريق المسدود.
نحن جيل 20 فبراير وإن حققنا ما حققناه، إلا أننا فشلنا في تحصين المكتسبات التي حصلنا عليها، بل وتم الالتفاف عليها واستغلالها من طرف سياسيين فاسدين وضعفاء في أدنى تقييم لهم.
كما لم نتمكن من الحفاظ على وحدتنا أو خلق فضاء بديل يجمعنا نحافظ فيه على اسماع صوتنا والدفاع عن حقوقنا كشباب ويسمح لنا بممارسة الضغط على القائمين على تسيير شؤون البلاد، لأسباب موضوعية منها أننا لم نكن وحدة منسجمة، وكان لكل منا انتماءاته الحزبية والمدنية، ما جعل من الصعب علينا تأسيس البديل المؤسساتي الذي يستوعبنا جميعا، وإن اخترنا كمجموعات تشكيل ديناميات شبابية جديدة متفرقة لم نستطع عن طريقها أيضا خلق فضاء مشترك للحوار وتبادل الآراء رغم المحاولات العديدة.
أيضا لم يستطع أي حزب سياسي استيعابنا، بأعدادنا ومنطقنا في العمل المتحلل والرافض للبيروقراطيات التنظيمية.
وكان من نتائج ذلك، أن ظل معظمنا خارج أي إمكانية للتقرير في مصيرنا ومصير البلاد، وبالتالي إقرار سياسات عمومية لا تخدم مصالح المواطنين بقدر ما استفاد منها سياسيون فاسدون ووظفوا مؤسسات الدولة لمصالحهم الشخصية ومصالح من والاهم، والتأسيس لمرحلة شهدنا فيها كل أشكال الفساد وتضارب المصالح، بزعامة رئيس الحكومة الذي شهدناه وهو يدافع عن مصالحه وشركاته من داخل قبة البرلمان ويهدد باقي المقاولين. أما وزيره في العدل الذي يشتغل منذ ان خلع قبعة معارض الإنتهازية واصبح وزيرا في العدل لدى أخنوش لم يتوان ولو لحظة في الحد من كل ما من شأنه قانونيا ودستوريا محاربة الفساد وإصدار قوانين تشرعنه من خلال سحب قانون الاثراء غير المشروع من القانون الجنائي ، منع الجمعيات من التنصب لفضح الفساد و المفسدين عبر القانون، غلّ يد النيابة العامة لتسطير المتابعات القانونية في حق هؤلاء المفسدين الذين ظهر جليا انتماء اغلبهم لاحزاب الاغلبية الحكومية التي ترفض بتحكمها العددي من تشكيل لجان تقصي الحقائق في عدد من الفضائح آخرها فضيحة ما بات يعرف ب”ملايير الفراقشية”.
كما رأينا وزراء يستفيدون ويصرفون المال العمومي على شركاتهم وشركات أصدقائهم.
هذا وفضائح اخرى وقوانين نكوصية طالت حقوق الأفراد والمؤسسات، ولا من حسيب ولا رقيب.
اليوم، ومع كل المطالب المشروعة التي يرفعها الشباب في الشوارع المغربية، والتي لا يجب أن تظل حبيسة حلقة مفرغة: يخرج الشباب الى الشارع ويعودون الى منازلهم، تمر السنوات ويعيد في كل مرة نفس الكرة، دون ان تجد مطالبه صداها في المؤسسات بشكل قار وثابت حتى يبني عليها تراكمات جديدة وإحقاق حقوق أخرى.
ذلك أن حلولا مثل حل الحكومة أو البرلمان، وإن كانت تلعب دور التنفيس وتهدئة الشارع، إلا أنها حلول ظرفية لا ينتج عنها أي جديد يذكر، بدليل أنه في 2011 تم اقرار دستور جديد وتنظيم انتخابات مبكرة، ولم تسن إلا سياسات فاقمت الوضع وعدنا للشارع مرة أخرى.
وقبل ثمانية سنوات، مع حراك الريف الذي رفع مطالب اجتماعية في مقدمتها الصحة، أعفى الملك خمسة وزراء من مهامهم، وهذه الثمانية سنوات لم تشفع في العفو عن قادة حراك الريف الذين مازالوا يقبعون في السجون، والذين عاد جيل زد الى المطالبة بالعفو عنهم: الزفزافي ومن معه في احتجاجاتهم.
اليوم، ليس المطلوب فقط الاستماع إلى هؤلاء الشباب، وكأننا أمام أزمة تواصلية فقط، ولكن المطلوب اليوم إيجاد الفضاء المؤسساتي القادر على استيعاب كل هؤلاء الشباب، وحين اقول الفضاء المؤسساتي فأقصد الفضاء القانوني والسياسي والحزبي والمدني والاعلامي، وطرد كل الوجوه المعمّرة منذ تسعينيات القرن الماضي، ودخول الشباب لتسيير شؤونهم