إن التباين بين النص القرآني الذي ينهي عن قتل النفس دون تحديد عقوبة دنيوية صارمة، وبين الحديث الذي يربط الانتحار بعذاب محدد في الآخرة، ليس مجرد اختلاف تأويلي أو جدلي محدود في المجال الديني، بل هو انعكاس لبنية معرفية قائمة على تداخل الأسطورة مع الخطاب الديني، وإعادة إنتاج نصوص تراثية لا تخضع لأي معيار علمي أو تاريخي، بل تُفرض كحقائق مطلقة تُستغل في خدمة مصالح نظامية. فالقرآن، حين يتحدث عن قتل النفس، يقدمه ضمن إطار رحمة إلهية وميزان أخلاقي شامل كما جاء في قوله: “وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا” (النساء: 29)، مما يعكس رؤية متسامحة تضع الحساب العام للأعمال فوق الفصل الفوري بين الحق والباطل.
أما الحديث الذي ينسب إلى النبي قوله: “من قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذب به يوم القيامة” (رواه مسلم)، فيفرض تصنيفًا قاسيًا للمنتحر، حيث يُحرَّم هذا الفعل بعقوبة أخروية قاسية، وهو ما يمثل محاولة لإضفاء طابع صارم لا يُرحم على الفرد الذي ينحرف عن المعايير الأخلاقية، في حين أن ذلك يرمز إلى تحول الفكر الديني لاحقًا، حينما اجتاحت الظروف السياسية والاجتماعية أنظمة الفقه السلطوي؛ أنظمة سعيت إلى ضبط السلوك الفردي عبر فرض عقوبات قاسية تخدم مصالح السلطة.
إن تحليل هذا التناقض بمنهجية التحليل النقدي يكشف أن هذا الاختلاف ليس إلا جزءًا من عملية إعادة إنتاج النصوص الدينية ضمن سياقات تاريخية متغيرة، حيث تم تدوين الحديث في ظل ظروف استجاب فيها خطابات الهيمنة لحاجة المجتمع إلى تأكيد النظام الاجتماعي والسياسي عبر فرض أنماط صارمة للعقاب. وهذه العملية تشبه إلى حد كبير الجدل الراهن حول إلغاء عقوبة الإعدام؛ فالقوى الظلامية، التي تسعى إلى إبقاء عقوبة الإعدام تكريسًا لمفهوم الثأر والانتقام، تحاول عبرها ترسيخ صورة النظام الذي لا يرحم من خلال استخدام العقوبة كأداة للسيطرة، متجاهلةً أن هذه العقوبات ليست سوى نتاج لتصورات تاريخية قديمة لا تمتد إلى الحاضر بمعايير العدالة والإنسانية الحديثة.
إن النص القرآني يؤكد في إطار رؤية شمولية أن الحساب الإلهي مبني على مبدأ الرحمة والعدل كما في قوله تعالى: “وَكُلُّ إِنسَانٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ” (المدثر: 38)، مما يشير إلى أن العدالة الإلهية تتجاوز العقوبات الفردية الظاهرة، بينما يتحول الحديث إلى نص يُستخدم لتصنيف الأفعال على أنها خروج فردي يستحق عقابًا أخرويًا قاسيًا، وهو ما يتوافق مع منطق الأنظمة السلطوية التي تُكرِّس ثقافة الثأر والانتقام من أجل تثبيت السلطة.
وبهذه الطريقة، نجد أن التناقض بين النص القرآني والحديث ليس مجرد نزاع حول تفاصيل التشريع الديني، بل هو انعكاس لصراع أوسع حول طبيعة العدالة والعقاب، حيث تمثل تلك العقوبات أداة سياسية لتشكيل الوعي الجماعي بما يخدم مصالح القوى التقليدية. إن إعادة قراءة هذا الموروث النقدي، وفي ضوء الجدل الراهن حول إلغاء عقوبة الإعدام، تبرز الحاجة إلى فصل الخطاب الذي يسعى لفرض أنماط عقابية جامدة عن المبادئ الشمولية للرحمة والعدل، كما يؤكدها النص القرآني، وإعادة تقييم النصوص التراثية بحيث تُخضع لمعايير حديثة تتناسب مع تطلعات العصر نحو تحرير الفكر من قيود النظام الذي لا يزال يستند إلى مفاهيم قديمة عن الثأر والانتقام.
– الحسيمة في 23 مارس 2025.
– أبوعلي بلمزيان.

