إذا كان النص القرآني قد أكد على ضرورة اتباع ما جاء به الرسول في قوله تعالى: “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ” (الحشر: 7)، فإن ورود حديث ينسب إلى النبي قوله “لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه” (رواه مسلم) يفتح بابا واسعا من التساؤلات حول مدى اتساق هذه الروايات مع النص القرآني نفسه، فضلا عن كشفه لمفارقة تاريخية تتصل بعملية تدوين السنة وظروف إنتاجها.
إن التعارض الظاهر بين الأمر القرآني باتباع الرسول وبين الحديث الذي ينهى عن تدوين كلامه يعكس تناقضا جوهريا داخل المنظومة التراثية، حيث يجد الفكر الدوغمائي نفسه مضطرا إلى التوفيق بين موقفين لا يمكن الجمع بينهما دون الدخول في منطق التأويل القسري والانتقائي.
عند إخضاع هذا التناقض للتحليل المادي التاريخي، يتضح أن مسألة تدوين الحديث لم تكن مجرد قضية فقهية، بل كانت انعكاسا لصراع أيديولوجي داخل البنية السياسية والدينية الناشئة بعد وفاة النبي. فالنهي عن تدوين الحديث، إذا صحّت نسبته إلى النبي، يكشف عن وعي مبكر بخطورة تحويل كلامه إلى نصوص مقدسة قد تنافس النص القرآني نفسه، مما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج أنظمة معرفية مغلقة تقوم على تأويلات بشرية متوارثة بدلا من الاعتماد على الوحي الإلهي وحده. ومن جهة أخرى، فإن الإصرار اللاحق على تدوين الحديث يعكس رغبة السلطة الدينية في إحكام قبضتها على مصادر التشريع، عبر إنشاء منظومة نصوص موازية يتم من خلالها توجيه الفهم الديني وتبرير السياسات السلطوية باسم “السنة النبوية”.
إن التناقض بين النهي عن الكتابة في الحديث المنسوب للنبي وبين الإلزام بأخذ ما جاء به الرسول في القرآن يطرح إشكالا جوهريا حول مصداقية عملية التدوين نفسها، حيث إن الأحاديث التي تبرر هذا التدوين ليست سوى نتاج قرون من التراكمات النصية التي صيغت وفقا لاحتياجات سياسية واجتماعية، وليس وفقا لمنهجية تاريخية دقيقة. ومن هنا، فإن اعتبار السنة مصدرا تشريعيا مكافئا للقرآن يقوم على فرضية أن الحديث جرى توثيقه بطريقة لا تقبل التشكيك، وهي فرضية ينسفها الحديث نفسه حين يأمر بمحو كل ما كُتب عن النبي غير القرآن، مما يجعل عملية التدوين اللاحقة تناقض الأساس الذي تستند إليه.
إن المنهج المادي الجدلي في تحليل هذا التناقض يكشف عن أن عملية تدوين الحديث لم تكن مجرد فعل توثيقي بريء، بل كانت جزءا من مشروع أيديولوجي يهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الديني بما يخدم مصالح القوى النافذة. فالحديث، كأي منتج تاريخي، لم يكن مجرد نقل حرفي لما قاله النبي، بل كان وسيطا أيديولوجيا يعيد إنتاج الخطاب الديني بما يتلاءم مع حاجات السلطة في مختلف العصور. وبهذا المعنى، فإن الإصرار على تدوين الحديث رغم ورود نهي عنه لا يعكس إلا طبيعة الصراع على إنتاج الحقيقة الدينية وتوجيهها نحو غايات سياسية، حيث تم تحويل النبي من قائد ديني يحمل رسالة إلى سلطة نصية يتم التحكم بها عبر آليات الإسناد والجرح والتعديل، مما يكرّس احتكار الفهم الديني في يد نخبة معينة تدعي امتلاك الحق الحصري في تفسير الوحي.
إن ما يتضح من خلال هذا التحليل هو أن التناقض بين القرآن والحديث ليس مجرد مسألة شكلية يمكن تجاوزها عبر التأويلات الفقهية المعتادة، بل هو انعكاس لبنية معرفية قائمة على محاولة احتواء التعددية الفكرية وإخضاعها لمنظومة متجانسة ظاهريا، لكنها تعاني من تناقضات داخلية لا يمكن إخفاؤها إلا عبر الإقصاء والتكفير وتشويه الخصوم الفكريين. إن تحرير الفكر الديني من هذه التناقضات يقتضي إعادة قراءة النصوص وفق مقاربة نقدية تستند إلى السياق التاريخي والاجتماعي، وليس وفقا لمتطلبات السلطة التي سعت عبر القرون إلى فرض قراءات معينة تخدم مشروعها الهيمني.
في الختام، فإن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: إذا كان القرآن هو المصدر الأسمى للتشريع، وإذا كان النبي قد نهى عن تدوين الحديث كما يروى، فكيف يمكن تبرير تحويل السنة إلى مرجعية تشريعية مساوية للقرآن؟ إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب تجاوز الخطابات التبريرية التقليدية والاعتراف بأن التراث الديني ليس كيانا ثابتا مقدسا، بل هو نتاج صراعات فكرية وسياسية يجب إخضاعها للتحليل والنقد، وليس مجرد التسليم بها كحقائق مطلقة غير قابلة للنقاش.
الحسيمة في 18 مارس 2025.
أبوعلي بلمزيان.

