تشهد منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة غليانا غير مسبوق، تجاوز مجرد التوترات السياسية المعتادة ليتحول إلى مواجهة عسكرية مفتوحة الأبعاد بين مثلث القوى: إسرائيل، الولايات المتحدة الأمريكية، وإيران.
وفي محاولة لتفكيك خيوط هذا المشهد المعقد، استضافت الزميلة إكرام دودوح في حوار عن بعد، الباحث محمد حميدة، رئيس وحدة الدراسات السياسية بالمركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، الذي قدم قراءة لخلفيات الصراع وسيناريوهاته المستقبلية.
استهل حميدة حديثه بالعودة إلى التاريخ لفهم اللحظة الراهنة، مذكرا بأن العلاقات الأمريكية الإيرانية لم تكن دائما على هذا النحو من الصدام. فقد كانت إيران حليفا استراتيجيا لواشنطن منذ انقلاب عام 1953 وحتى قيام الثورة الإسلامية عام 1979.
هذا التحول الجذري، الذي بدأ باحتجاز الرهائن الأمريكيين وقطاع العلاقات الدبلوماسية عام 1980، مر بمحطات متباينة من محاولات الاحتواء والعقوبات، وصولا إلى الاتفاق النووي في عهد أوباما (2015) ثم انسحاب ترامب منه (2018)، مما أدخل المنطقة في نفق “الضغط الأقصى” الذي نعيش تداعياته اليوم.
في تحليله للدوافع الحقيقية خلف التصعيد الحالي، أشار حميدة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يجد نفسه تحت ضغط هائل لمحو “وصمة” السابع من أكتوبر 2023. ويرى حميدة أن فلسفة نتنياهو الشخصية تقوم على فكرة أن تأمين إسرائيل لن يتم إلا بإسقاط النظام الإيراني أو إضعافه جذريا، مستغلا في ذلك نفوذ اللوبي الصهيوني في واشنطن.
وأوضح الضيف أن الأهداف الإسرائيلية تتجاوز البرنامج النووي الإيراني لتشمل طموحات توسعية في المنطقة، والسيطرة على مساحات أكبر في لبنان والعراق، وهو ما صرح به الجانب الإسرائيلي علانية في عدة مناسبات.
لم يغفل الحوار الجانب الاقتصادي، حيث وصف حميدة تأثير هذه الحرب بـ”الكارثي” على الاقتصاد العالمي. فالمنطقة تشرف على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وثلث تجارة الغاز.
وبالنسبة للمغرب، أكد حميدة أن التأثير سيكون مباشرا وقويا، حيث يعتمد المغرب بشكل أساسي على استيراد الطاقة. وأي اضطراب في أسعار النفط والغاز سينعكس تلقائيا على، أسعار السلع الأساسية، و تكلفة إنتاج الكهرباء، و معدلات التضخم التي أثقلت كاهل المواطنين.
وشدد على أن الاقتصاد العالمي، الذي لم يتعاف تماما من آثار جائحة كورونا، يجد نفسه اليوم أمام توقعات سلبية للغاية قد تجبر القوى الأوروبية على الضغط لتقصير أمد الحرب أو العودة إلى المسارات السياسية لتجنب انهيار اقتصادي شامل.
ختم حميدة لقاءه مع بالإشارة إلى أن السيناريوهات تتأرجح بين رغبة واشنطن وتل أبيب في تغيير جذري للمنظومة الإيرانية، وبين ضغوط دولية تقودها أوروبا للعودة إلى طاولة المفاوضات. ومع استمرار التصعيد، يبقى السؤال المطروح: هل ستتحمل المنطقة والعالم كلفة مواجهة شاملة وطويلة الأمد؟

