تقرير: إلياس العماري
في قلب الصحراء الكبرى، حيث تمتزج الرمال مع السماء، يعيش الطوارق، أبناء أرض “أزواد” الذين نسجوا من صمت الرمال وحكايات الرياح تاريخا لا يشبه سواه، رعاة الشمس، أولئك الذين لا يعرفون الحدود إلا في علم الجغرافيا، يحملون التاريخ على أكتافهم حيث لا تتلاشى آثار أقدامهم في الرمال، بل تظل شاهدة على عزيمة شعب رغم الشتات، وفي عيونهم تنعكس مرآة لأزمنة ماضية لم تكتمل فصولها بعد، وفي معركة الحياة والموت وصراعهم من أجل البقاء والحرية والكرامة، تتشابك آمال الطوارق مع جذور الأرض.
الطوارق.. هوية تاريخية لأزواد
شعب الطوارق، مكون أساسي لبلاد أزواد الممتدة على مساحات شاسعة من شمال مالي، تحد بموريتانيا شرقا والنيجر غربا والجزائر شمالا، أغلبهم من المسلمين السنة ويتبعون المذهب المالكي ويميلون للتصوف، إلى جانب أقلية مسيحية، يعيشون على حياة قائمة على الرعي والتنقل بين الأراضي القاحلة، خبراء في التعامل مع قسوة الصحراء وسحرها في الوقت ذاته، لم يكن التقليد البدوي رفيقهم فقط، بل كان هو المعين في نضالهم ضد الاستعمار، وضد القمع السياسي الذي طالهم عبر الأجيال ومنذ العصور الاستعمارية، وحتى في صراعاتهم الحديثة مع الحكومات الوطنية ظل الطوارق يحاربون من أجل الحفاظ على استقلاليتهم الثقافية والسياسية.
اختلف المؤرخون والرحالة في تحديد تسميات الطوارق، فبينما أطلق عليهم البعض لقب “رجال الصحراء الزرق” بسبب ارتدائهم الملابس الزرقاء التي تكتسب لونها باستخدام تقنية خاصة تترك آثارها على جلودهم، يفضل الطوارق أن يُطلق عليهم اسم “إيموهاغ”، وهو مصطلح يعني “الرجال الأحرار الشرفاء” في لغتهم.

تتميز اللغة الطارقية بتنوع لكناتها، مثل التماشق، التماجق، والتماهق، والتي تختلف في استخدامها بين قبيلة وأخرى، ومن أبرز سمات الطوارق تاريخيا استخدامهم أبجدية “تيفيناغ”، التي كانت تُستعمل لتوثيق ثقافتهم وتاريخهم، وهم من بين الشعوب المحافظة على جذورها الأمازيغية.
يعيش الطوارق منذ آلاف السنين في بيئة صحراوية قاسية تمتد عبر منطقة الساحل، حيث يواجهون تحديات طبيعية واجتماعية معقدة، وتختلف التقديرات بشأن أعدادهم، إذ تشير بعض المصادر إلى أن عددهم يتجاوز المليونين، بينما تفيد تقديرات أخرى بأن العدد قد يكون أكبر من ذلك، فيما يتفق العديد من الباحثين على أن إقليم أزواد في شمال مالي يُعد موطنا لأكبر تجمعات الطوارق.
مسار الصراع
منذ أن بدأت ملامح الاستعمار الفرنسي في إفريقيا، كان لإقليم أزواد في مالي نصيبه من التقسيم الجغرافي الذي أثر بشكل بالغ على سكانه، نظرا لاحتوائه على أكبر احتياطي للطاقة في إفريقيا مما جلب له أطماعا دولية، حيث عمدت السلطات الاستعمارية إلى تقسيم المنطقة، ما أدى في تفتيت شعب الطوارق بين عدة دول، هذا التقسيم الذي لم يأخذ في عين الاعتبار الخصائص الثقافية والاجتماعية لهذا الشعب، وتسبب في تهميش الإقليم وإبقائه في عزلة اجتماعية واقتصادية، ومعاناته من مظالم مستمرة.
يعد تاريخ الصراع الأزوادي من أقدم وأعقد الصراعات في المنطقة، فقد ظهرت أولى شرارات التوتر قبل انسحاب الاستعمار الفرنسي ومنح مالي استقلالها، حيث تقدم نحو 370 شخصية أزوادية من الزعماء القبليين والعلماء والتجار والقضاة بعريضة سياسية إلى الرئيس الفرنسي شارل ديغول، تطالب برفض ضم أزواد إلى مالي، بعدها، قاد محمد علي الأنصاري جهودا سياسية في “تينبكتو” ساعيا للحصول على دعم دولي لقضية الأزواديين.
في العام 1963، قاد الأمير زيد أگ الطاهر انتفاضة مسلحة في إقليم كيدال ضد الجيش المالي، لكنها فشلت بسبب ضعف الدعم الدولي ورد الفعل العنيف من النظام المالي برئاسة موديبو كيتا، الذي استخدم العنف المفرط ضد المدنيين، بما في ذلك قتل الحيوانات وتسميم المياه، كما أن مواقف بعض دول الجوار كانت منحازة لصالح الحكومة المالية، مما ساهم في إجهاض الثورة.
اجتاحت المنطقة أزمة جفاف مدمرة، مما دفع العديد من شباب الطوارق إلى الانضمام إلى معسكرات القتال في ليبيا تحت قيادة معمر القذافي، الذي أعلن سنة 1982 في خطاب رسمي عن فتح ليبيا أبوابها أمام شباب وعائلات الطوارق للعمل أو الانضمام إلى المعسكرات المفتوحة هناك، وذلك لدعم المعارضة النيجرية التي كان القذافي يؤازرها بسبب خلافاته مع نظام نيامي في تلك الفترة، وبدأ الأزواديون يتواجدون في المعسكرات التي كانت قد أُعدت في الأصل لأبناء النيجر، وشاركوا في صراعات إقليمية كما انضم بعضهم لصفوف المقاومة الفلسطينية.
مع تراجع نفوذ ليبيا في التسعينيات، عاد مقاتلو الطوارق إلى أزواد، ليدخلوا في صراع جديد مع الجيش المالي بسبب الإهمال الحكومي المستمر، وبدأت الحركات المسلحة تطالب بالاستقلال التام، وتأسست الحركة الشعبية لتحرير أزواد، وهي أول تنظيم سياسي للطوارق بالإقليم.
وخلال العام 1990، شهدت أزواد تفجر الصراع بشكل أكبر، حيث شن الأزواديون عمليات عسكرية ناجحة ضد الجيش المالي، أسفرت في نهاية المطاف عن مفاوضات أفضت الى “اتفاق السلام والاندماج” في 1991، والذي اعترف لأول مرة بوجود مشكلة في أزواد، وأدى إلى الاعتراف بإسم أزواد لأقاليم الشمال.
التدخلات الدولية واتفاق الجزائر
ومع استمرار الصراع في المنطقة، جرت عدة محاولات للسلام، أبرزها “اتفاقية تمنراست” في 1991 التي ركزت على اللامركزية في شمالي مالي، واستمر الضغط على الحركات الرافضة لها إلى أن أكملت انضمامها للتوقيع عليها سنة 1996، ونذكر ايضا في ذات السياق “الميثاق الوطني” في 1992، لكن هذه الاتفاقيات فشلت بسبب الخروقات المستمرة من جانب نظام باماكو، وخلال العام 1994، تم التوصل إلى اتفاق آخر في الجزائر لوقف إطلاق النار، لكن الأوضاع الأمنية ظلت هشة.
وعلى الرغم من توقيع اتفاقات أخرى مثل “اتفاقية تمبكتو” في سنة 1996، التي حلت رسميا الجماعات الطوارقية، إلا ان الوضع الأمني تفاقم بعد العام 2000 بسبب انتشار التهريب وتجارة الأسلحة والبشر والمخدرات والإرهاب.
أدت هذه التراكمات مجتمعة إلى تأسيس الحركة الوطنية لتحرير أزواد في نونبر 2010، على يد مجموعة من شباب الطوارق، حيث تم انتخاب بلال أغ الشريف أمينا عاما لها، رغم أنه لم يكن قد تجاوز آنذاك 33 عاما، وفي عام 2011، برزت “حركة أنصار الدين” ذات التوجه الإرهابي، مما زاد من تعقيد المشهد.

وخلال العام نفسه، التحق معظم طلاب الإقليم، سواء الذين كانوا يدرسون في مالي أو في الخارج، بالحركة الوطنية لتحرير أزواد، كما تم في نفس السنة الإعلان عن تأسيس الجناح العسكري للحركة داخل الإقليم، إلى جانب تشكيل تحالف سياسي وعسكري موحد يضم مختلف التعبيرات السياسية والاجتماعية وغيرها، بهدف طرد الجيش المالي خارج الحدود التاريخية والجغرافية لأزواد، وفي 6 أبريل 2012، أعلن التحالف استقلال دولة أزواد.
مع إعلان استقلال دولة أزواد وبسط الحركة الوطنية نفوذها على كامل تراب الإقليم، تم توظيف الجماعات الإرهابية في إقليم أزواد من طرف حكومة باماكو وبعض دول الجوار من خلال رفضها لاستقلال الإقليم، وعملت الحكومة على محاربة الحركة الوطنية والمجلس الانتقالي الذي تشكل عقب إعلان الاستقلال في نفس العام، وقد لعبت هذه الجماعات دورا مهما في عرقلة التقدم الذي حققته الثورة الأزوادية على الأرض.
وما لبثت الحركة الوطنية في بسط سيطرتها على المناطق المستعادة إلى ان قامت فرنسا خلال سنة 2013 بإطلاق عملية “سرفال” لإعادة السيطرة على الإقليم، وفي سنة 2015، تم توقيع “اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة” في باماكو، ولكن لم يتمكن من إنهاء الصراع بشكل كامل نظرا لعدم التزام النظام المالي وبعض الدول بروح هذا الاتفاق.
مع انقلاب 2020، دعا الانقلابيون الحركات الأزوادية إلى المشاركة في المرحلة الانتقالية ضمن الحكومة، مع التأكيد على الالتزام باتفاق الجزائر وإنهاء الصراع، غير أن التطورات اللاحقة كشف حقيقة النظام الانقلابي في باماكو، الذي سعى إلى كسب الوقت والتنصل من الاتفاقية، حيث عمد إلى تصفية واعتقال العديد من منتسبي الحركات الأزوادية، وفي ظل تصاعد القمع والتهميش الممنهج، شهد الإقليم حملة عسكرية شرسة، ترافقت مع استقدام مرتزقة “فاغنر” من سوريا ودول أخرى، لاستهداف سكان إقليم أزواد.
“ميثاق الشرف لوحدة شعب أزواد”
في مواجهة الصراع المستمر والتصعيد العسكري الذي يشهده إقليم أزواد، وفي ظل انتهاكات حقوق السكان من قبل الجيش المالي ومرتزقة “فاغنر”، بالإضافة إلى الجرائم التي ترتكبها الجماعات الإرهابية لتوسيع نفوذها، والتي شملت القتل والاغتصاب وتهجير السكان، جاء إعلان “جبهة تحرير أزواد” كاستجابة للأوضاع المتفاقمة. هذه الانتهاكات طالت البشر والحيوان والطبيعة، واستخدمت فيها الطائرات المسيرة لارتكاب انتهاكات جسيمة، استهدفت الأطفال والنساء، ودفعت السكان إلى النزوح القسري.
في نهاية نوفمبر 2024، وخلال اجتماع ضم نحو 180 مسؤولًا وأعضاء من الإطار الاستراتيجي الدائم (CSP) في مدينة تنزاواتين بمنطقة كيدال، أُعلن عن تشكيل الجبهة بهدف تحرير أزواد بشكل كامل، وإقامة سلطة أزوادية مستقلة. كما تبنت الجبهة علمًا جديدًا يعكس هوية الإقليم، وطالبت بحق تقرير المصير للأزواديين.
شهد هذا الاجتماع دمج القوى السياسية والعسكرية المنضوية تحت لواء الإطار الاستراتيجي الدائم، وهي: حركة التحرير الوطني لأزواد (MNLA)، المجلس الأعلى لوحدة أزواد (HCUA)، حركة العرب في أزواد (MAA)، وجماعة الدفاع الذاتي للطوارق إيمغاد وحلفاؤها (GATIA)، لتكوين كيان موحد يحمل اسم “جبهة تحرير أزواد”.
خلال هذا المؤتمر التاريخي الذي عُقد بين 26 و30 نوفمبر، اجتمعت الحركات السياسية والعسكرية تحت مظلة “الإطار الاستراتيجي الدائم للدفاع عن الشعب الأزوادي (CSP-DPA)”، بحضور ورعاية زعماء دينيين وعرفيين. ناقش المجتمعون القضايا الاجتماعية والسياسية والأمنية التي تواجه الإقليم، واستعرضوا سبل مواجهة التحديات المتزايدة.
تم الإعلان عن حل جميع التنظيمات السابقة المنضوية تحت الإطار الاستراتيجي، ودمجها في كيان موحد يحمل اسم “جبهة تحرير أزواد” (FLA). هذا الكيان يسعى إلى تحقيق الاستقلال الكامل للإقليم وإنشاء سلطة سياسية جديدة، مع إطلاق ميثاق تأسيسي يحدد المبادئ والأهداف التي تسعى الجبهة لتحقيقها.
أوضحت الجبهة أن الإعلان عن تأسيسها جاء ردًا على ما وصفته بالمجازر التي ارتكبتها القوات المالية وحلفاؤها الروس بحق المدنيين، وفشل الحكومة المالية في الالتزام باتفاقيات السلام الموقعة، خاصة اتفاق 2015.
أكد المشاركون التزامهم بتوحيد الشعب الأزوادي بكل مكوناته وأيديولوجياته لتحقيق الاستقرار الداخلي، ودعوا المجتمع الدولي إلى الاعتراف بـ”جبهة تحرير أزواد” كممثل شرعي للشعب الأزوادي. كما شددوا على ضرورة مواجهة أي محاولات لإضعاف التحالف أو المساس بحقوق السكان الأزواديين، مع التأكيد على العمل المشترك لبناء مستقبل أكثر أمانًا وعدالة للإقليم.
وفي أعقاب الإعلان عن تأسيسها، تعرضت الجبهة لضربة جوية باستخدام طائرة مسيرة قرب مدينة تنزاواتين، مما أدى إلى مقتل عدد من قياداتها، من بينهم فهد آغ الماحمود، قائد GATIA، وشوقيب آغ عطاهر، زعيم قبيلة الطوارق الإيدنان.

