صحيفة lespresso الايطالية تكتب: إسرائيل الكبرى القائمة على مـ..ـذابح المدنيين

مجازر اسرائيل في حق الفلسطينيين

الحرب على إيران ليست سوى الحلقة الأخيرة في مخطط شامل. الهدف هو التوسع تحت ذريعة الأمن: من جنوب لبنان إلى سوريا. بعد احتلال غزة، هناك نزوح جماعي قسري للفلسطينيين من الضفة الغربية مع هجمات المستوطنين المدعومين من الجيش. وهكذا يمنح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مضمونا لحلم اليمين المسياني الذي يبقيه في السلطة.

كان الجميع يعرفها في تل أبيب. كان اسمها “البيت الأحمر”. بني في أوائل القرن الماضي على يد أوائل المجموعات من اليهود القادمين خصوصا من وسط وشرق أوروبا. كانوا يفاخرون به: كان ثمرة مهارتهم الحرفية، بظلاله المائلة إلى اللون الوردي عند الغروب التي كانت تبرز فوق “المدينة البيضاء”، كما كان الفنانون والأدباء يطلقون على أول مدينة في إسرائيل المستقبلية. حتى عام 1947 استضاف مجلس العمال، ثم أصبح المقر الرئيسي لمنظمة “الهاغاناه”، وهي أبرز منظمة عسكرية صهيونية سرية.

اليوم لم يعد ذلك البيت موجودا. فقد شيد مكانه موقف سيارات بالقرب من فندق شيراتون. لكن ذكرى جدرانه القديمة تمثل لحظة حاسمة في تاريخ الدولة العبرية. 

وكما يذكر إيلان بابِه، الأستاذ والمؤرخ والكاتب اليهودي المعروف، في كتابه الشهير “التطهير العرقي في فلسطين” (دار فازي): «في 10 مارس 1948، وضع أحد عشر رجلا، من قادة صهاينة مخضرمين إلى جانب ضباط عسكريين يهود شباب، اللمسات الأخيرة على خطة التطهير العرقي لفلسطين». 

وفي التاريخ نفسه تم إعداد المشروع المعروف بالاسم الرمزي “الخطة د” (دالت بالعبرية)، الذي جرى تحديثه مرارا عبر السنوات ولا يزال قائما حتى اليوم. وهو البرنامج الذي يوجه العمل السياسي والعسكري لتحقيق إسرائيل الكبرى: تعبير اكتسب معاني متعددة عبر الزمن، وغالبا ما يستخدم بصيغة “تحريرية” للإشارة إلى الحدود التاريخية المطالب بها أو المرجوة في “أرض الميعاد”.

كل سلوك تقوم به إسرائيل، حتى الأكثر صعوبة في الفهم، يتبع المنطق ذاته على مدى المئة عام الماضية. خريطة إسرائيل الكبرى، أو “إيرتس يسرائيل هشليما” (أي “كامل أرض إسرائيل”)، تقوم على مفهوم توراتي مرتبط بالوعد الإلهي لإبراهيم كما ورد في سفر التكوين. 

ويقول إن الأرض الموعودة للشعب اليهودي تمتد من مصر إلى نهر الفرات، أي من أرض مصر القديمة إلى نهر الفرات، وصولا إلى جزء من بلاد الرافدين. وليس هذا مفهوما مجردا: بل هو اليوم البوصلة التي يسترشد بها حكومة بنيامين نتنياهو، التي تبني عملها السياسي على هذه “المهمة الإلهية”، مدعومة بأغلبية يمينية متطرفة ذات طابع ميسياني.

منذ 7 أكتوبر 2023، أعيد إحياء هذا المشروع وإطلاقه من جديد. لم يكن تدمير غزة مجرد رد فعل على “مجزرة دموية وغير متوقعة”، بل كان فرصة لإنهاء صراع خفي وغير متكافئ مستمر منذ أكثر من 70 عاما، تخللته هجمات ودمار واعتداءات. وقد وقف العالم مذهولا أمام التدمير المنهجي للقطاع، الذي سوي بالأرض حرفيا ولا يزال اليوم كتلة هائلة من الركام يستحيل العيش فيها.

والأمر نفسه يحدث في جنوب لبنان. قبل أسابيع قليلة، أعلن وزير الدفاع إسرائيل كاتس أن الجيش الإسرائيلي سيحافظ على السيطرة على الأراضي جنوب نهر الليطاني، على بعد نحو عشرين كيلومترا من الحدود، لأسباب أمنية. 

ولم يقتصر وجود الجنود في “بلاد الأرز” على استهداف وتدمير مواقع إطلاق صواريخ حزب الله نحو شمال إسرائيل، بل قاموا أيضا بتفجير المنازل والمزارع، وتدمير الجسور التي تربط بين المناطق الوسطى والجنوبية، واستهداف مواقع مراقبة قوات “اليونيفيل” التابعة للأمم المتحدة، ما أدى إلى مقتل ثلاثة من عناصر حفظ السلام. 

وأمرت حكومة نتنياهو أكثر من 600 ألف من سكان تلك المناطق بالإخلاء، مذكرة إياهم بأن عودتهم إلى منازلهم قد لا تكون ممكنة. وتخشى بيروت أن تكون هذه العملية جزءا من مخطط أوسع، كما حدث عام 1978 مع احتلال لبنان الذي استمر 20 عاما، وكذلك في 2006 عندما توغل الجيش الإسرائيلي في عمق البلاد. وقد صرح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، المنتمي إلى الجناح المتشدد من اليمين المسياني: «يجب أن تنتهي الحملة الحالية في لبنان بتغيير جذري… يجب أن يصبح نهر الليطاني حدودنا الجديدة مع الدولة اللبنانية».

ما يتضح أكثر فأكثر هو وجود روايتين متناقضتين لهذه المأساة الهائلة. إنكار “النكبة”، أي “الكارثة” التي أصابت نحو 250 ألف فلسطيني عام 1948 وأجبرتهم على مغادرة أراضيهم، يعني القبول بفكرة أن ذلك الشعب لم يكن موجودا، وأن فلسطين كانت مأهولة بـ”عرب” فقط، وأنه لم يكن هناك طرد بل “هجرة طوعية”. 

كما أن الصمت الذي يحيط بأعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون في الضفة الغربية، تحت حماية الجنود، يمثل النسخة الحديثة من ذلك النزوح، الذي لا يزال يعاني منه ملايين اللاجئين المزدوجين، الذين يجبرون مرة أخرى على مغادرة منازلهم وذكرياتهم وحياتهم. وفي هذه الحالة أيضًا، الهدف واحد: توسيع الأراضي نحو يهودا والسامرة لضم الجزء “الموعود” المتبقي. وإذا أخذ في الاعتبار الجزء الآخر من الأراضي المنتزعة من سوريا في هضبة الجولان، فإن كل شيء يشير إلى أن “الخطة دالت” قد اقتربت من ذروتها.

أما الحرب ضد إيران فلها هدف مختلف: إبعاد شبح التهديد النووي. وقد أرادها بنيامين نتنياهو. ومن دون وجود نظام الملالي، يمكنه تحقيق إسرائيل الكبرى. أما دونالد ترامب، الذي انجرف إلى مستنقع لا يعرف كيف يخرج منه، فيُترك له نصيب المكاسب في مجال الطاقة من جزيرة خرج.

نقلا عن صحيفة lespresso الإيطالية بتصرف