فنزويلا بعد توقيف مادورو.. أكبر احتياطي نفطي في العالم تحت ضغط السياسة والعقوبات

أعاد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على يد القوات الأميركية ونقله إلى الولايات المتحدة تسليط الضوء بقوة على فنزويلا، ليس فقط بوصفها بؤرة توتر سياسي ودبلوماسي، بل أيضا باعتبارها أغنى دولة نفطية في العالم من حيث الاحتياطيات المؤكدة، في مفارقة صارخة بين وفرة الثروة وعجز الاستغلال.

فالبلد الذي يملك نحو 303 مليارات برميل من النفط، أي ما يعادل 17 في المائة من الاحتياطيات العالمية، لا يساهم اليوم سوى بأقل من 1 في المائة من الإنتاج النفطي العالمي، نتيجة سنوات من العقوبات، والاضطرابات السياسية، وسوء الإدارة.

وتمتلك فنزويلا نحو 303 مليارات برميل من النفط، ما يعادل 17 في المائة من الاحتياطيات العالمية، لكنها لا تنتج سوى أقل من 1 في المائة من الإمدادات العالمية، في تناقض يعكس عمق الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد.

وتتركز هذه الثروة الضخمة أساسا في حزام أورينوكو، المعروف بنفطه الثقيل، غير أن الإنتاج الفعلي ظل محدوداً، إذ لم يتجاوز 742 ألف برميل يومياً في 2023، مقارنة بأكثر من 3.5 ملايين برميل يومياً في سبعينيات القرن الماضي، حين كانت فنزويلا من أكبر منتجي ومصدّري النفط في العالم وعضواً مؤسساً في منظمة “أوبك”.

هذا التراجع الحاد يعزى، وفق تقارير دولية، إلى العقوبات الأميركية، وتهالك البنية التحتية، ونقص الاستثمارات، وسنوات من سوء التدبير، إضافة إلى اضطرابات سياسية مزمنة. وبذلك، باتت فنزويلا تمتلك النفط، لكنها تفتقر إلى القدرة الفعلية على استثماره.

وتأتي هذه المفارقة إلى الواجهة مجددا في ظل التطورات السياسية الأخيرة واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو على يد القوات الأميركية ونقله إلى الولايات المتحدة، وهي خطوة أعادت فنزويلا إلى صدارة الاهتمام الجيوسياسي، وأثارت تساؤلات واسعة حول مستقبل قطاع الطاقة في البلاد، وانعكاسات ذلك على أسواق النفط العالمية.

وفي هذا السياق، لا تخفى الأهمية الاستراتيجية للنفط الفنزويلي بالنسبة للولايات المتحدة، نظرا لقربه الجغرافي وانخفاض كلفته النسبية، إضافة إلى طبيعته الثقيلة والحمضية، التي تحتاجها المصافي الأميركية لإنتاج مشتقات مثل الديزل والأسفلت، وهو ما يفسر، بحسب تقارير إعلامية أميركية، دعوات صدرت عن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشركات النفط الأميركية للعودة إلى فنزويلا وضخ استثمارات بمليارات الدولارات، مقابل تعويضات عن أصول صودرت خلال سنوات حكم مادورو.

ولا تقتصر ثروات فنزويلا على النفط وحده، إذ تزخر البلاد باحتياطيات مهمة من الذهب والحديد والبوكسيت والألماس والكولتان، فضلاً عن أراضٍ زراعية خصبة وموارد مائية واسعة. غير أن هذه الثروات لم تنعكس على مستوى المعيشة، في ظل تضخم جامح يُتوقع أن يبلغ نحو 270 في المائة، وتدهور حاد في قيمة العملة المحلية، وتراجع احتياطيات النقد الأجنبي إلى مستويات تاريخية متدنية.

وتكشف التجربة الفنزويلية، في ضوء اعتقال مادورو، حقيقة راسخة في سوق الطاقة العالمية: امتلاك النفط لا يعني بالضرورة امتلاك القوة، ولا يضمن الاستقرار الاقتصادي، ما لم تقترن الثروة الطبيعية بالاستثمار، والحكامة، والاستقرار السياسي. وهي معادلة تعود اليوم إلى الواجهة بقوة، مع إعادة رسم ملامح الدور المستقبلي لفنزويلا في سوق النفط، وسط تحولات جيوسياسية متسارعة.