في قرار قضائي يطوي صفحة واحدة من أطول القضايا الجدلية في تاريخ فرنسا المعاصر، أمرت محكمة الاستئناف في باريس يوم الخميس بالإفراج عن الناشط اللبناني جورج إبراهيم عبد الله، بعد 41 عاما قضاها خلف القضبان. حكم على عبد الله، البالغ من العمر 74 عاما، بالسجن مدى الحياة في عام 1987 لاتهامه باغتيال دبلوماسي أمريكي وآخر إسرائيلي في باريس عام 1982.
ومن المقرر أن يتم الإفراج عن عبد الله، الذي يعتبر أحد أقدم السجناء السياسيين في أوروبا، في 25 يوليو الجاري. وقد صدر القرار في جلسة غير علنية بغياب عبد الله، المسجون في لانميزان بجنوب فرنسا.
مسيرة نضالية وقضية شائكة
ولد جورج إبراهيم عبد الله في 2 أبريل 1951 لعائلة مسيحية مارونية في بلدة القبيات شمال لبنان. انخرط في العمل السياسي في سن مبكرة، متأثرا بالقضايا القومية العربية والقضية الفلسطينية.
انضم إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، ثم عمل في مجال التعليم قبل أن يصاب خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1978. بعد ذلك، التحق بصفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
في أوائل الثمانينيات، أسس عبد الله مع آخرين “الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية”، وهي مجموعة ماركسية لينينية مناهضة للإمبريالية. تبنى التنظيم عدة هجمات في أوروبا بين عامي 1981 و1982 دعما للقضية الفلسطينية.
لم يقر عبد الله بضلوعه في عمليتي الاغتيال اللتين أدين بهما، معتبرا إياهما جزءا من “أعمال المقاومة” ضد ما وصفه بـ “القمع الإسرائيلي والأمريكي” في سياق الحرب الأهلية اللبنانية والغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان.
اعتقال ومحاكمات استثنائية
كانت ظروف اعتقال عبد الله في 24 أكتوبر 1984 استثنائية، حيث دخل مركزا للشرطة في ليون طالبا الحماية من عناصر “الموساد” الإسرائيلي الذين كانوا يلاحقونه، على حد قوله. كان يحمل آنذاك جواز سفر جزائرياً مزورا.
في عام 1986، حكم عليه بالسجن أربع سنوات بتهمة “التآمر الإجرامي وحيازة أسلحة ومتفجرات”. وفي العام التالي، حوكم مجددا أمام محكمة الجنايات الخاصة في باريس بتهمة التواطؤ في اغتيال الدبلوماسي الأمريكي تشارلز راي الإسرائيلي ياكوف بارسيمينتوف، ومحاولة اغتيال قنصل أمريكي آخر. ورغم نفيه للتهم وتأكيده أنه “مقاتل عربي”، حكم عليه بالسجن مدى الحياة.
سنوات من رفض الإفراج والضغوط السياسية
أصبح عبد الله مؤهلا للإفراج المشروط منذ عام 1999، إلا أن 12 طلبا سابقا للإفراج عنه قوبلت بالرفض. وأشار محاموه ومؤيدوه إلى وجود ضغوط سياسية كبيرة، خاصة من الولايات المتحدة وإسرائيل، حالت دون إطلاق سراحه. وقد كشفت وثائق سابقة عن تدخلات أمريكية لتعطيل الإفراج عنه.
واعتبر محامي الدفاع جان لوي شالانسيت أن قرار الإفراج الأخير “سياسي بامتياز”، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة مارست ضغوطا لتعطيل المسار القضائي.
ردود فعل وفرحة في لبنان
في لبنان، استُقبل خبر الإفراج عن عبد الله بفرحة عارمة من قبل عائلته ومؤيديه. وعبر شقيقه روبير عبد الله عن سعادته الغامرة، قائلا: “لم أتوقع أن يصدر القضاء الفرنسي قرارا مماثلا وأن يأتي يوم يصبح فيه حرا بعدما جرت عرقلة إطلاق سراحه أكثر من مرة”. وأضاف: “لمرة واحدة حررت السلطات الفرنسية نفسها من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية”.
بالتزامن مع القرار، بدأت السفارة اللبنانية في باريس بالإجراءات الإدارية لنقل عبد الله إلى المطار تمهيدا لعودته إلى وطنه. ومع ذلك، لا تزال هناك مخاوف من إمكانية عرقلة تنفيذ القرار بفعل ضغوط إسرائيلية محتملة. وحذر الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني حنا غريب من “احتمال إقدام إسرائيل على اغتيال جورج عبد الله لدى وصوله إلى لبنان”.

