في واحدة من بين أكثر القضايا الحقوقية جرأة في الساحة الدولية في السنوات الأخيرة، يخوض المغربي كريم أعشبون، المستشار المالي الهولندي من أصل مغربي، معركة قضائية غير مسبوقة أمام القضاء البلجيكي ضد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي الحالي ورئيس الوزراء الهولندي السابق، مارك روته، الذي وجه له أشبون اتهامات ثقيلة تتعلق بالمشاركة في الإبادة الجماعية في غزة وتورطه في فضيحة سرقة أموال “رعاية الأطفال”، القضية التي هزّت المجتمع الهولندي وعصفت بحكومته من منصبها قبل شهرين من الانتخابات البرلمانية.
مضمون الدعاوى
بحسب مصادر متابعة للملف، رفع كريم أعشبون المستشار المالي لعدد من الشركات الكبرى، دعوى قضائية أمام محكمة بروكسل ضد مارك روته، يتهمه فيها بتقديم دعم عسكري مباشر لإسرائيل خلال عدوانها على غزة، من خلال توريد قطع غيار لطائرات F-35 التي استُخدمت في القصف، ما أدى إلى مقتل مدنيين بينهم أفراد من عائلات هولندية.
وقد عزز أعشبون ملفه القضائي باستناده إلى شكايات ثلاث عائلات هولندية فقدت أقاربها جراء القصف الإسرائيلي على قطاع غزة.
وتشير المصادر نفسها إلى أن الدعوى الثانية التي رفعها كريم تتعلق بتورط روته في فضيحة “التلاعب في إعانات الاطفال” الشهيرة، حيث اتُّهمت مصلحة الضرائب الهولندية، بتحريض من الحكومة، باتخاذ إجراءات قاسية ضد آلاف العائلات، أغلبها من أصول مهاجرة، من خلال مطالبتهم بإرجاع إعانات الأطفال ظلما، ما أدى إلى حجز ممتلكاتهم وتهديد استقرارهم الاجتماعي.
ويستند كريم في شكايته إلى تقارير تؤكد وجود تصريحات عنصرية ضمنية في خلفية هذه الإجراءات، وهي سابقة خطيرة في ممارسات الإدارة الهولندية.
أعشبون، الذي رفض عرضا مغريا بتسوية قدرها 4 ملايين يورو مقابل سحب دعواه وفق ماكشف عنه عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، قرر بالمضي في القضية بتمويل ذاتي، متحملا تكاليف مالية ضخمة ومخاطر أمنية، مؤكدا أن قضيته هي دفاع عن العدالة وكرامة الضحايا.
وقصد المضي في الملف، أطلق كريم حملة تمويل جماعي عبر منصات التواصل الاجتماعي لتغطية التكاليف المرتفعة، موضحا التزامه الكامل بعدم التراجع عن القضية أو قبول أي تسوية، مع ضمان توجيه نصف وقته وجهده للدفاع عن الضحايا حتى عام 2027، مع الإشارة إلى إمكانية تصعيد الدعوى إلى المحاكم الأوروبية.
جولات المحاكمة
أفادت نفس المصادر أنه في يناير 2025، حقق كريم انتصارا أوليا في القضية، بعدما استهجن القاضي محاولات التأثير على القضاء من طرف الناتو، الذي بعث برسائل إلى موظفين قضائيين في محاولة لإبعاد أمينه العام الحالي، مارك روته، عن المساءلة.
أمر القاضي بإدراج تلك المراسلات ضمن ملف القضية، في إشارة واضحة إلى أن القضاء البلجيكي لن يخضع للضغوط السياسية، وفتح المجال أمام استكمال مسار المتابعة، رغم التعتيم الإعلامي الهولندي الكبير حول الموضوع.
ومن المرتقب أن تُعقد الجولة الثانية من المحاكمة يوم 2 ماي المقبل، وسط توقعات بارتفاع منسوب الضغوط السياسية والدبلوماسية على القضاء البلجيكي، فيما يأمل كريم بأن يستمر في تلقي الدعم الشعبي والقانوني لمواصلة معركته حتى إيصال الملف إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
بين حصانة الناتو والضغوط الدبلوماسية
بحسب المتابعين، فإن خطورة القضية لا تكمن فقط في مضمونها، بل في موقع المتهم، حيث أصبح مارك روته يشغل منصب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ما جعل الناتو نفسه طرفا في الدفاع عنه أمام القضاء البلجيكي.
وقد تمحورت حجج الدفاع التي قدمها محامو الناتو حول الحصانة الدبلوماسية وخطورة التأثير على العلاقات مع الدول الأعضاء، محذرين من أن أي إدانة محتملة قد تسبب أزمة دبلوماسية، وهو ما اعتُبر تهديدا مبطنا للقضاء.

