أصدر المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة ورقة تحليلية شاملة تناولت مضامين مشروع قانون المالية لسنة 2026، متضمنة مقارنة موجزة مع قانون مالية 2025، في محاولة لتسليط الضوء على التوجهات الكبرى للسياسة المالية بالمغرب خلال العام المقبل.
ووفقا للورقة التي اطلع “كاب انفو” على نسخة منها، فإن مشروع قانون مالية 2026 جاء في سياق اقتصادي عالمي متقلب، يفرض على الحكومة اعتماد مقاربة مالية متوازنة تراعي التحديات الخارجية، وتستمر في نفس الوقت في ترسيخ أسس الدولة الاجتماعية ودعم النمو الاقتصادي.
أولويات السياسة المالية لسنة 2026
ترى الورقة أن مشروع قانون المالية الجديد يرتكز على أربع أولويات كبرى: دعم الاستثمار العمومي، وتعزيز الدولة الاجتماعية، وتحسين العدالة الجبائية، إلى جانب التحكم في عجز الميزانية.
وتشير الدراسة إلى أن الحكومة تراهن على نسبة نمو تناهز 4,8 في المائة خلال سنة 2026، في ظل توقعات بتحسن الموسم الفلاحي وانتعاش قطاعات السياحة والصناعة التحويلية، كما يتوقع المشروع تقليص عجز الميزانية إلى نحو 3,5 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وهو ما تعتبره الورقة هدفا طموحا، لكنه مشروط بفعالية آليات تعبئة الموارد الجبائية وحسن تنفيذ برامج الاستثمار.
وتوضح الورقة أن المشروع يعكس تحولا تدريجيا في هيكلة النفقات العمومية، إذ ارتفعت الاعتمادات الموجهة لقطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية لتبلغ ما يقارب 140 مليار درهم، مع إحداث حوالي 27 ألف منصب مالي جديد.
واعتبرت الورقة أن هذا التوجه يعزز المنظور الاجتماعي للدولة، لكنه يتطلب في المقابل تسريع الإصلاحات الهيكلية في الإدارة العمومية لضمان نجاعة الصرف وتحسين أثر الإنفاق على المواطنين.
مقارنة مع مالية 2025
في قراءة مقارنة، سجل المركز أن مشروع قانون مالية 2026 يحافظ على التوجهات الكبرى التي طبعَت قانون سنة 2025، خاصة فيما يتعلق بدعم الاستثمار والبنيات التحتية الكبرى، غير أنه يضيف بعدا اجتماعيا أوضح من خلال إطلاق برامج جديدة للمساعدات المباشرة الموجهة للأسر الهشة. وتُبرز الورقة أن المشروع الجديد يوسّع نطاق الدعم المباشر ليشمل أزيد من 4 ملايين أسرة، مع العمل على تحسين آليات الاستهداف الرقمي عبر المنصات الموحدة للمساعدة الاجتماعية.
كما لاحظت الدراسة أن السياسة الجبائية تشهد بدورها تحولات متدرجة، إذ تواصل الحكومة توسيع الوعاء الضريبي ومراجعة بعض الإعفاءات غير المبررة، مع تشجيع رقمنة المساطر الضريبية لتقليص التهرب والرفع من المردودية.
وأشارت الورقة إلى أن هذه الإصلاحات ستظل رهينة بمدى قدرة الدولة على تحقيق توازن بين العدالة الجبائية وتحفيز الاستثمار، خصوصاً في قطاعات الصناعة الصاعدة والتكنولوجيات الحديثة.
التحديات وآفاق التنفيذ
على الرغم من الطابع الطموح لمشروع قانون مالية 2026، يحذر المركز من مجموعة من التحديات التي قد تعيق تنفيذه بالشكل المنشود، فالوضعية الدولية المتقلبة، وتزايد الضغوط التضخمية، وتراجع الطلب الخارجي على بعض الصادرات المغربية، كلها عوامل قد تؤثر على توقعات النمو والإيرادات العمومية.
كما نبهت الورقة إلى أن ضيق المدة المتبقية من الولاية الحكومية قد يحد من قدرة التنفيذ الفعلي للإصلاحات المعلن عنها، خاصة تلك التي تهم إصلاح الإدارة والمؤسسات العمومية.
وتوصي الدراسة بضرورة تحديد أولويات واضحة وقابلة للإنجاز خلال السنة المالية المقبلة، مع اعتماد مؤشرات تقييم دقيقة لتتبع أثر البرامج الحكومية، وتعبئة الفاعلين المحليين والجهويين لضمان انسجام السياسات العمومية. كما شددت على أهمية الشفافية في عرض المعطيات المالية للرأي العام، لما لذلك من دور في ترسيخ الثقة في التدبير المالي للدولة.
وفي ختام تحليله، يؤكد المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة أن مشروع قانون مالية 2026 يمثل فرصة لتثبيت نموذج الدولة الاجتماعية وتعزيز ركائز العدالة المجالية، لكنه يحتاج إلى حكامة مالية أكثر صرامة وتنسيق مؤسساتي فعال حتى تتحول الأهداف المعلنة إلى إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

