ملتمس الرقابة يعود إلى الواجهة.. هل تقلب المعارضة الطاولة على أغلبية أخنوش؟

عاد ملتمس الرقابة إلى الواجهة من جديد داخل مجلس النواب، بعد عام من أول محاولة لإثارته في ظل الولاية التشريعية الحالية، وذلك عقب إعلان فرق المعارضة عن شروعها في أولى خطوات تقديمه خلال هذا الأسبوع، احتجاجا على ما وُصف بـ”فضيحة دعم استيراد الأضاحي”.

وقد عقد رؤساء الفرق والمجموعة النيابية للمعارضة اجتماعا يوم الإثنين 5 ماي 2025، تقرر خلاله استكمال مسطرة إعداد الملتمس رسميا الأسبوع الجاري، بعدما تعذّر جمع التوقيعات بسبب التزامات برلمانية حالت دون ذلك.

وكانت المعارضة قد أعدت، يوم الأحد 4 ماي، مسودة أولية لمذكرة الملتمس، في أفق عرضها للتوقيع في اليوم الموالي، قبل أن يتم تأجيل العملية لأسباب تنظيمية، ومن المنتظر أن تُقدم المعارضة بشكل رسمي ملتمس رقابة إلى رئاسة مجلس النواب يوم الثلاثاء المقبل، في خطوة غير مسبوقة خلال الولاية الجارية.

ويأتي هذا التحرك بعد رفض الحكومة تشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق حول دعم استيراد الأضاحي، وهو الملف الذي تقول المعارضة إنه كبّد خزينة الدولة مليارات الدراهم دون أن يحقق الهدف الأساسي منه، والمتمثل في خفض أسعار اللحوم الحمراء مع اقتراب عيد الأضحى.

وتعيش مكونات المعارضة حالة من النقاش الداخلي حول تفاصيل الملتمس، خاصة ما يتعلق بمَن سيتولى تلاوة المذكرة خلال الجلسة العامة، في ظل تمسك كل فريق نيابي بأداء هذه المهمة الرمزية، ما يعكس استمرار بعض مظاهر غياب التنسيق الكامل داخل صفوف المعارضة.

وفي هذا السياق، اعتبر رشيد لزرق، أستاذ القانون الدستوري، في تصريح لإذاعة “كاب راديو” وموقع “كاب أنفو”، أن ملتمس الرقابة هو أداة رقابية دستورية تُخول لمجلس النواب مراقبة عمل الحكومة، لكن الغرض من تحريكه في السياق الحالي “سياسي أكثر منه إسقاط فعلي للحكومة، التي تتوفر على أغلبية مريحة داخل المجلس”.

وأضاف لزرق أن تحريك الآلية الدستورية بهذا الشكل “يعد اختبارا لمدى قدرة المعارضة على تنسيق مواقفها، وأداة لدفع الحكومة إلى تقديم توضيحات بشأن سياساتها العمومية”، مشددا على أن “الهدف ليس إسقاط الحكومة، بل نقل النقاش حول الاختلالات والتحديات من خارج البرلمان إلى داخله، في إطار احترام المؤسسات”.

ما هو ملتمس الرقابة؟

يُعد ملتمس الرقابة من أبرز الأدوات الدستورية التي تمنح لمجلس النواب حق مراقبة عمل الحكومة ومساءلتها سياسياً، وهو إجراء بالغ الأهمية لما ينطوي عليه من إمكانية سحب الثقة من الجهاز التنفيذي وإسقاطه بالكامل.

ويحدد الفصل 105 من الدستور شروط تفعيل هذا الإجراء، حيث يشترط أن يُوقع الملتمس من طرف خُمس أعضاء مجلس النواب على الأقل، أي ما لا يقل عن 79 نائباً، ولا يُعرض للتصويت إلا بعد مرور ثلاثة أيام كاملة على تاريخ إيداعه لدى رئاسة المجلس. ولا تتم المصادقة عليه إلا إذا حصل على الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس، أي 198 صوتاً من أصل 395.

وفي حال الموافقة على ملتمس الرقابة، تُجبر الحكومة على تقديم استقالتها بشكل جماعي، ولا يمكن تقديم أي ملتمس جديد خلال سنة كاملة بعد ذلك.

ورغم توفر الإطار الدستوري، يبقى تفعيل هذا الملتمس في السياق السياسي المغربي أمرا صعب التحقيق، نظرا إلى طبيعة موازين القوى داخل البرلمان، وغالبا ما يُستخدم لأغراض سياسية رمزية أو للضغط على الحكومة أكثر من كونه خطوة فعلية نحو إسقاطها.

وقد شهد المغرب تقديم ملتمسين اثنين للرقابة في تاريخه البرلماني، أولهما سنة 1964 خلال أول تجربة تشريعية، حيث تقدمت المعارضة بملتمس لإسقاط الحكومة دون أن تنجح في تأمين النصاب القانوني المطلوب، وفق مقتضيات دستور 1962.

أما التجربة الثانية فكانت سنة 1990 ضد حكومة عز الدين العراقي، حيث قدمه حزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، لكنه فشل هو الآخر في تحقيق النصاب الدستوري الذي كان يحدده دستور 1972.

وتبقى هذه التجارب المحدودة دليلا على الصعوبات السياسية والدستورية التي تعترض تمرير هذا النوع من المبادرات، لكنها في المقابل تشكل أداة رمزية مهمة لقياس نبض العلاقة بين الأغلبية والمعارضة، واستعراض التوازنات داخل المؤسسة التشريعية.