إذا كان النص القرآني قد حسم طبيعة إبليس بوضوح، حين قال: “كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ” (الكهف: 50)، فإن بعض المرويات الحديثية جاءت متناقضة مع هذا المعطى، مصورة إياه كأنه كان من الملائكة ثم عصى، كما في الحديث المنسوب للطبري: “أول من سُنَّ السجود لغير الله إبليسُ كان من الملائكة…”، وهو ما يعكس ارتباكًا واضحًا في البناء العقدي الذي تمت صياغته لاحقًا ضمن فضاء أيديولوجي يهدف إلى إعادة تأويل المفاهيم الدينية بما يخدم مصالح محددة.
فالملائكة، بحسب التصور القرآني، كائنات لا تعصي أوامر الله: “لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ” (التحريم: 6)، مما يجعل فكرة عصيان إبليس – لو كان ملكًا – تتناقض مع هذه القاعدة الأساسية. غير أن الزج بإبليس ضمن طائفة الملائكة لم يكن عفويا، بل يعكس محاولة لتشكيل تصور أسطوري يتماهى مع تقاليد سابقة، حيث كان الانقسام بين الملائكة الساقطين والقوى الشيطانية موجودا في عقائد أخرى، وتم استدخاله داخل بعض التفاسير الإسلامية بما يخلق مساحة لإعادة إنتاج مرويات تبريرية تخدم بنى السلطة الدينية.
التناقض هنا ليس مجرد خطأ سردي بين نصين، بل هو انعكاس لصراع في فهم الوجود وعلاقته بالسلطة. فالقول بأن إبليس كان ملكًا، ثم سقط، يرسخ صورة التمرد المبرر عقائديًا، مما يسهل عملية استدعاء فكرة “السقوط” هذه في تبرير ممارسات القمع والاستبداد، حيث يصبح أي خروج عن النسق السلطوي رديفًا للتمرد الإبليسي. في المقابل، فإن تصوير إبليس ككائن مستقل، اختار العصيان بإرادته، يعزز مفهوم المسؤولية الفردية، وهو ما ينسجم مع النص القرآني، لكنه يتعارض مع المرويات التي تحاول تسطيح الصراع وتحويله إلى حكاية قدرية موجهة تخدم مصالح القوى السائدة.
إن هذه الفجوة بين النص القرآني وبعض المرويات الحديثية لم تكن سوى نتيجة لعملية إعادة تأويل النصوص بما يخدم نسقا فكريا معينا، حيث لم يكن الهدف من سردية إبليس فقط تفسير لحظة تمرده، بل كان توظيفا سياسيًا طويل الأمد، يخدم مراكز القوى التي أرادت فرض رؤيتها للعالم، حيث الطاعة المطلقة تُقابلها اللعنة الأبدية، مما يُعيد إنتاج آليات الانضباط الاجتماعي والسياسي بنفس الأدوات التي وُظفت عبر العصور لتبرير كل أشكال الاستبداد والهيمنة.
الحسيمة، أبوعلي بلمزيان

