الدكتو أحمد عامر… وداعا لوجه من وجوه اليسار المغربي

أحمد عامر

غادرنا الدكتور أحمد عامر، الطبيب والمناضل اليساري والحقوقي، عن عمر ناهز الثمانين عامًا، بعد حياة حافلة بالعطاء الإنساني والنضال السياسي، لم يحد فيها يومًا عن القيم التي آمن بها، ولا تراجع عن انحيازه الثابت للفقراء والمهمشين.

ولد الراحل ونشأ في مدن الشمال المغربي، متنقلاً بين القصر الكبير والعرائش وتطوان، حيث أكمل دراسته الثانوية، قبل أن يبدأ مساره الجامعي بالرباط، ثم يتحول إلى فالنسيا بإسبانيا لدراسة الطب. وهناك، لم تكن قاعات الدراسة وحدها محط اهتمامه، بل ساحة النضال الطلابي والسياسي، حيث انخرط مبكرًا في منظمة “إلى الأمام”، وكان من مؤسسي فرع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في إسبانيا.

جمع الدكتور عامر بين التكوين الأكاديمي الرفيع والوعي السياسي الحاد، وكان من الأطر البارزة التي ساهمت لاحقًا في تأسيس حزب النهج الديمقراطي سنة 1995، واضعًا رصيد تجربته الطويلة في خدمة مشروع يساري جذري ظل وفيًا له حتى النهاية.

على المستوى المهني، اشتهر كطبيب مختص في طب العيون بمدينة طنجة، حيث لم تكن عيادته مجرد فضاء للعلاج، بل امتدادًا لقيمه الإنسانية. لم يميّز بين مرضاه، بل كان نصيرًا لذوي الدخل المحدود، مؤمنًا بأن الطب رسالة لا تُختزل في الأجرة، بل في كرامة من يُعالج.

انخرط الدكتور عامر مبكرًا في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وشارك في نشر الوعي الحقوقي بين الشباب، وساند عائلات المعتقلين السياسيين، وكان حاضرًا دائمًا في القضايا العادلة، محليًا ودوليًا، من فلسطين إلى أمريكا اللاتينية.

في حراك 20 فبراير، نزل إلى الشارع بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لم تمنعه سنوات العمر من رفع الشعارات، ولا من تقديم المساعدة الطبية ميدانيًا لمن أصيبوا في المسيرات، في صورة نادرة لطبيب يدمج بين وظيفته ونضاله بسلاسة وصدق.

عرفه رفاقه وأصدقاؤه بدماثة الخلق، وسعة الصدر، والقدرة على الاستماع والدعم. لم يكن مجرد مثقف ملتزم، بل كان مرجعية إنسانية، يستلهم منه الجيل الجديد معنى الالتزام الحقيقي، الذي لا يبهت مع السنين.

برحيله، يفقد اليسار المغربي والحركة الحقوقية أحد الوجوه الصادقة التي جمعت بين الفكر والممارسة، بين الطب والنضال، بين الصرامة الأخلاقية والتواضع الإنساني.

نم بسلام يا أحمد عامر، فقد ظللت ترى النور حيث أصرّ كثيرون على العتمة، وأبقيت بصيرتك مفتوحة على الحق، حتى وأنت تودّعنا في صمتٍ الكبار.