ألبانيزي تفتح ملف “اقتصاد الإبادة” في وجه اسرائيل.. وواشنطن تتحرك

من قلب مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وجهت المقررة الخاصة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، تقريرا كصفعة في وجه الصمت الدولي، معلنة أن إسرائيل لا تمارس احتلالا فحسب، بل تدير اقتصادا كاملا قائما على الإبادة الجماعية، بدعم مالي وتقني من عمالقة الصناعة والتكنولوجيا، التقرير لا يقتصر على إدانة سياسية فقط، بل يرسم صورة قاتمة لاستغلال معاناة الفلسطينيين من أجل تحقيق أرباح اقتصادية.

إقتصاد الإبادة.. أرباح من الدماء

 

تحت عنوان “من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية”، كشفت ألبانيزي عن ممارسات إسرائيلية ممنهجة ضد الفلسطينيين، لم تعد تنحصر في السيطرة الجغرافية، بل امتدت إلى تدمير الاقتصاد والبيئة والكرامة البشرية، فمنذ أكثر من عام ونصف، يعيش الفلسطينيون في واقع يشبه يوم القيامة، حيث يتداخل الجوع بالخوف، والرماد بالحياة، وسط دعم مالي وتقني من أكثر من 60 شركة دولية كبرى.

ووصفت ألبانيزي قطاع غزة بـ”مصيدة موت”، يتساقط فيها البشر بين جوع وقصف ومرض، بينما تواصل الضفة الغربية مواجهة أعنف موجات النزوح القسري منذ عقود، في ظل غياب القانون الدولي وازدهار آلة الاستيطان المسنودة ببنية اقتصادية معولمة.

في مفارقة قاتمة، سجلت بورصة تل أبيب قفزة بنسبة 213% منذ أكتوبر 2023، في وقت كانت فيه طائرات F-35 تحلق فوق غزة بـ22 طنا من الذخائر، حاملة توقيع “لوكهيد مارتن” و”إلبيت سيستمز” وغيرهما ممن حولوا الحرب إلى مختبر للأسلحة.

ألبانيزي وواشنطن.. وجها لوجه

 

لم يكن تقرير ألبانيزي دعوة للتضامن فحسب، بل لائحة اتهام رسمية تطالب بفرض حظر على بيع الأسلحة لإسرائيل، وتعليق الاستثمارات، وتجميد أصول الشركات الداعمة لما وصفته بـ”اقتصاد الإبادة”، وطالبت بإحالة المتورطين من مسؤولي تلك الشركات إلى المحاكم الوطنية والدولية.

وفي المقابل، رفضت إسرائيل بشدة ما ورد في تقرير ألبانيزي، واعتبرته محاولة لتشويه صورتها وإضفاء شرعية على ما تصفه “الإجراءات الأمنية الضرورية” لمواجهة التهديدات، وأكدت أن تقرير المقررة يتجاهل السياق الأمني المعقد في المنطقة، ويحيد عن الحقائق التي تبرز محاولات إسرائيل لحماية مواطنيها من هجمات تنظيمات مسلحة.

صدى التقرير لم يُرضِ ايضا إدارة الرئيس الأميركي الراهن دونالد ترامب، التي شنت هجوما عنيفا على ألبانيز متهمة إياها بـ”معاداة السامية ودعم الإرهاب”.

وأعربت الإدارة الأميركية الراهنة عن دعمها القوي لإسرائيل، مشيرة إلى أهمية التعاون الاستراتيجي بين البلدين، ورفضت الاتهامات التي أطلقها التقرير، واصفة إياها بأنها غير مبنية على وقائع دقيقة، بل تهدف إلى تقويض جهود السلام والاستقرار في المنطقة، مهددة باتخاذ إجراءات دبلوماسية حاسمة ضد الأمم المتحدة.

وأعاد التقرير إلى الواجهة ما يعرف بـ”القائمة السوداء” التي أعدتها الأمم المتحدة عام 2020، والتي تضمنت أكثر من 100 شركة ضالعة في دعم الاستيطان، من بينها أمازون، مايكروسوفت، موتورولا، وبنوك إسرائيلية كبرى، وشددت ألبانيز على أن هذه الشبكة العابرة للحدود تحول الاحتلال إلى استثمار طويل الأمد، يقوض كل مبادئ العدالة الدولية.

في 27 صفحة من الأدلة والشهادات والوثائق، كشفت فرانشيسكا ألبانيزي عن بعد جديد للصراع في فلسطين، حيث تتشابك السياسة بالاقتصاد، والموت بالربح، وفي ظل هذه التباينات الواضحة، يبقى هذا التقرير بمثابة حجر أساس للنقاش الدولي حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويدعو المجتمع الدولي إلى إعادة النظر في علاقاته الاقتصادية والسياسية مع الأطراف المتورطة، في حين تستمر الأصوات المتباينة في المجتمع الدولي حول مدى شرعية هذه الاتهامات ومدى تأثيرها على مسار القضية الفلسطينية.