إلغاء أضحية عيد الأضحى: الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للقرار

أهاب الملك محمد السادس بالمغاربة، عبر رسالة تلاها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق مساء أمس الأربعاء، بعدم القيام بشعيرة ذبح أضحية العيد هذه السنة، وذلك في ظل التراجع الكبير في أعداد الماشية وتأثيرات هذا التراجع على الوضع السوسيو اقتصادي للبلاد.

وجاء هذا القرار الملكي في وقت حساس، حيث يشهد المغرب تراجعا ملموسا في أعداد أعداد الأغنام والأبقار والماعز بنسبة 38%،  نتيجة سنوات من الجفاف وتأثيراتها السلبية على الثروة الحيوانية، وتعتبر هذه الخطوة استجابة عملية لتحديات اقتصادية ومناخية معقدة، بهدف تخفيف العبء عن الأسر المغربية، خاصة في هذه الظروف الاستثنائية، حيث يشير مراقبون إلى أن القرار يستند إلى أسس شرعية تراعي مصلحة المواطن وظروفه، ويأتي في سياق تيسير العبادة وعدم تكلف الأفراد في غياب الاستطاعة، وهو ما يتماشى مع تعاليم الإسلام التي تدعو إلى عدم المبالغة في شعائر الدين في حال غياب القدرة المادية.

الأسس الشرعية لقرار إلغاء الأضحية

أكد الأستاذ إسماعيل العفاقي، الباحث في الشؤون الشرعية والقانونية في تصريح لإذاعة “كاب راديو” وموقع “كاب انفو”، أن قرار إلغاء الأضحية لهذا العام يتماشى مع المبدأ الشرعي الذي يرى أن الأضحية ليست فرضا بل سنة مؤكدة، لكن في غياب الاستطاعة أو في ظل ظروف استثنائية مثل هذه، لا حرج في إلغائها، وأضاف أن الأضحية ليست هدفا بحد ذاتها بل وسيلة للتقرب إلى الله، وعليه فإن إلغاءها هذا العام يعد من باب التيسير على المسلمين في ظل التحديات التي يواجهونها.

وأوضح العفاقي في هذا الصدد أن: ” الأضحية ليست لتفاخر أو مباهاة، بل هي عبادة للتقرب إلى الله. من لا يستطيع القيام بها فلا إثم عليه”.

كما أكد العفاقي أن هذا القرار يتماشى مع السياسة الشرعية التي تتيح للحاكم اتخاذ التدابير اللازمة في حالات الضرورة، وهو ليس الأول من نوعه في تاريخ المغرب، حيث تم إلغاء شعيرة الأضحية في سنوات سابقة، مثل عام 1963 بسبب الأزمة الاقتصادية، وعام 1981 إثر الجفاف الحاد، وعام 1996 بسبب تتابع سنوات الجفاف.

الأبعاد الاقتصادية لقرار إلغاء الأضحية

من جانبه، اعتبر رشيد ساري، خبير اقتصادي، في تصريح لإذاعة “كاب راديو” وموقع “كاب انفو”، أن القرار الملكي جاء في وقته المناسب، حيث أن تراجع أعداد الماشية نتيجة للجفاف أثّر بشكل كبير على الثروة الحيوانية، مما جعل القيام بالأضحية هذا العام أمرا غير ممكن، وأضاف ساري: “القرار يساهم في تجنب تكاليف استيراد الأغنام التي تكلف الحكومة مبالغ طائلة، كما أن تراجع الأسعار في السوق سيكون له تأثير إيجابي على الأسر المغربية”.

وأوضح ساري أن تكلفة استيراد الأغنام تصل إلى 13 مليار درهم سنويا، وكان من الممكن أن يؤدي استمرار ذبح الأضاحي إلى زيادة الأسعار بشكل كبير، مما يعكس استقرار الأسعار في المستقبل القريب ويخفف من الأعباء المادية على المواطنين.

تحديات قطاع الفلاحة بسبب الجفاف

رغم أن المغرب يُعتبر بلدا فلاحيا، إلا أن قطاع الفلاحة يعاني من تحديات كبيرة خلال السنوات الاخيرة، أبرزها ظاهرة الجفاف التي أصبحت بنيوية في المنطقة، وفي هذا السياق، أكد رشيد لزرق، أستاذ العلوم السياسية في تصريح لإذاعة “كاب راديو” وموقع “كاب انفو”، أن الحكومات المتعاقبة لم تُظهر رؤية استراتيجية شاملة لمعالجة تأثيرات الجفاف على القطاع الفلاحي.

وأضاف لزرق: “المغرب يعاني من ظاهرة الجفاف بشكل مستمر، وهو أمر يتطلب استراتيجيات طويلة الأمد للتعامل مع تحديات المياه والفلاحة، وليس الاكتفاء بسياسات آنية تنتظر الأمطار”.

وتابع أنه في ظل تعطل سلاسل الإنتاج العالمية، أصبح المغرب رهينا بالأسواق الدولية، سواء في مجال المواشي أو المواد الأساسية، هذه التبعية تهدد استقرار البلاد، خاصة مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية التي تشكل جزءا أساسيا من حياة المواطنين.

وشدد لزرق على أن المسؤولية تقع على عاتق الحكومة لوضع رؤية استراتيجية تعالج هذه التحديات، حيث لا يمكننا الاستمرار في انتظار الأمطار كحل وحيد، خاصة وأن الجفاف أصبح واقعا بنيويا لا يمكن تجاهله، والسياسات الحالية تبدو لحظية وتفتقر إلى الأفق الاستراتيجي الذي يراعي التحولات المناخية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة، حيث نعيش اليوم في مرحلة حرجة، يواجه فيها المواطنون تقلبات أسعار حادة تؤثر على قدرتهم الشرائية.

التأثيرات النفسية والاجتماعية 

 في ما يتعلق بالتأثيرات النفسية والاجتماعية على المواطنين، قال فؤاد بلمير، أستاذ علم النفس الاجتماعي في تصريح لإذاعة “كاب راديو” وموقع “كاب انفو”، أن قرار إلغاء الأضحية لن يشكل عبئا نفسيا على الأسر المغربية، وأضاف بلمير: “الأسر ستتفهم الوضع وستشرح للأطفال والبيئة المحيطة بهم الظروف التي دفعت جلالة الملك إلى اتخاذ هذا القرار. من الناحية الاجتماعية، ستبقى الروابط الأسرية والاجتماعية متينة، وستستمر الزيارات وصلة الرحم، دون أن يؤثر ذلك على جو العيد”.

تفاعل إيجابي للمواطنين 

تفاعل الشارع المغربي مع القرار الملكي بشكل إيجابي، حيث عبر العديد من المواطنين عن دعمهم للخطوة، مؤكدين أن القرار سيخفف العبء عن الأسر ذات الدخل المحدود، وقال أحد المواطنين في ميكروطروطوار  أعده موقع “كاب انفو” أن: “القرار سيفرح الكثير من المواطنين، خاصة الفئة الهشة التي تواجه صعوبات كبيرة في شراء الأضحية فالأسعار في الأسواق كانت مرتفعة جدا، وبعض الأشخاص يتدينون لشراء الأضحية، وهذا أمر صعب جدًا”.

وقال آخر: “أعتقد أن هذا القرار صائب، لأننا في وضع صعب، والعديد من الأسر لن تكون قادرة على تحمل مصاريف الأضحية هذه السنة، كما أن “الشناقة” يساهمون في رفع أسعار الاضحية التي بلغت مستويات قياسية خلال السنة الفارطة ووصلت الأسعار الى 5000 درهم بل أكثر من ذلك”.

وأشار أخرون إلى أن هذا القرار جاء ليخفف عنهم العبء المالي المرتبط بشراء الأضحية في ظل الأسعار المرتفعة التي تجاوزت قدرات البعض، وأضافوا أن العديد من التجار يرفعون الأسعار بشكل مبالغ فيه، مما يجعل شراء الأضحية أمرا صعبا للبعض، خصوصا لأولئك الذين يعتمدون على القروض لشراء المواشي.

كما أشاد العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي بهذا القرار، معتبرين أنه يعكس التفهم الكامل للوضع الاجتماعي والاقتصادي، خاصة أن أغلب الأسر التي تعيش في ظروف صعبة كانت تجد صعوبة في تحمّل تكاليف الأضحية، والتي قد تصل إلى مبالغ كبيرة، تصل أحيانا إلى 10 آلاف درهم.