في قلب ما يشهده الحقل الأكاديمي المغربي من انحدار تدريجي نحو الرداءة، تتهاوى البنيات الرمزية للجامعة كما عُرفت ذات زمن، وتتحول شيئاً فشيئاً إلى فضاء مفرغ من المعنى، مُفرمل للدينامية الفكرية، ومؤثث بمنطق الامتثال والتدجين. وحدها بقايا الأصوات النابعة من زمن المقاومة الفكرية تقاوم العزلة والخرس، متشبثة بآخر أطلال المعرفة النقدية، في محاولة يائسة لوقف زحف التفاهة وهي تكتسح المشهد. وفي هذا السياق، تستعاد مقولة محمد جسوس المرعبة: “إنهم يصنعون جيلاً من الضباع”، لا باعتبارها تعبيراً بلاغياً، بل كتوصيف واقعي لوضع تربوي وأكاديمي تهيمن عليه آليات الصمت والترويض والانبطاح.
وحين يستعاد هذا القول، يُستدعى تلقائياً اسم محمد كسوس، باعتباره أحد الذين رفعوا في وجه هذا الانحدار راية السوسيولوجيا كفعل مقاومة لا كاختصاص بارد. لقد كان يؤمن بأن المعرفة ليست محايدة، وأن السوسيولوجيا، ما لم تكن منحازة للحق، فستكون مجرد أداة بيد من يهيمنون. ولو نطق اليوم، لرأيناه يعرّي، دون مواربة، ما آل إليه حال الجامعة المغربية، وقد أُفرغت من بعدها التحرري، لتصبح مؤسسة تُعيد إنتاج الخضوع عبر تقنيات التكوين والتدبير وإصلاحات زائفة تندرج ضمن ما يُروّج له تحت مسمى “العصرنة”.
في هذا الواقع الموبوء، تحولت الجامعة من فضاء للصراع الفكري والإنتاج النقدي، إلى مصنع للامتثال والانضباط، وورشة مفتوحة على المقاسات الجديدة للسلطة، التي لم تعد تُمارس عبر القمع المباشر، بل من خلال إعادة تشكيل الوعي وتطبيع الخضوع. تم إخصاء المعرفة، وتسليع الفكر، وتحويل الأستاذ الجامعي إلى موظف إداري محكوم بمنطق الوحدات والمقررات ونقاط الجودة، وتحويل الطالب إلى زبون، يبحث عن شهادة تمكّنه من دخول سوق شغل وهمي، بينما يُمنع عليه التساؤل أو الشك أو نقد البنيات المتعفنة.
التحولات الجارية ليست اعتباطية، بل نتاج مشروع شمولي لإعادة هيكلة الوعي الجماعي، وفق مقاسات المنظومة النيوليبرالية الجديدة التي تسعى إلى نسف كل أشكال الفكر الحر، وإفراغ الجامعة من محتواها السياسي والاجتماعي، وتقديم “المعرفة” كسلعة خالية من الموقف، خاضعة لمعايير المردودية التقنية لا المعنى التحرري. كانت السوسيولوجيا، في منظور محمد كسوس، علماً مسلحاً بالأخلاق، ملتزماً بمواجهة اللاعدالة، رافضاً كل أشكال التواطؤ مع السلطة، ولا يمكن فهمها إلا كفعل نقد جذري ضد كل بنية ظالمة.
في هذا المناخ، لا يمكن فصل ما يحدث للسوسيولوجيا عن ما يحدث للتعليم ككل. فالهجوم على تدريس الفلسفة والعلوم الاجتماعية، وإقصاؤها من أغلب المسالك الجامعية، لا يمكن قراءته إلا كتجلي لسياسة ممنهجة تستهدف كل ما يحمل بذور الوعي النقدي. إنها محاولات محمومة لتحويل الجامعة إلى مجرد ملحق تقني لسوق الشغل، بدل أن تكون معملاً لإنتاج وعي متمرد على الواقع الظالم.
وكان محمد كسوس سيفضح، دون مواربة، خطاب الحياد الأكاديمي الذي صار يُروّج له داخل الجامعة كقيمة عليا. خطاب يُسوّق لمفهوم زائف للعلم، ويعزل الباحث عن واقعه، ليحوّله إلى موظف معرفي ينقل ما تقوله النظريات دون مساءلتها أو تفكيكها أو إعادة تركيبها على ضوء السياق المحلي. وكان سيسخر من أطروحات مكتوبة بألف صفحة لا تعني شيئاً، لأنها لا تُلامس الواقع، ولا تطرح أسئلته المؤرقة، ولا تنحاز للمهمشين والمقصيين.
كل ما كان يراه كسوس، وما قد يقوله اليوم لو كان بيننا، هو أن الجامعة لم تعد كما حلم بها. لقد تم تدجينها، وصارت تُكرّس منطقاً تعليمياً يفرّخ العجز بدل الأسئلة، والامتثال بدل النقد. وأمام هذا الواقع، تبرز السوسيولوجيا الحقيقية كآخر خطوط الدفاع ضد الردة المعرفية. لا بوصفها علماً تقنياً، بل مشروعاً لفهم الواقع بهدف تغييره، ومنصة للانخراط في معركة ضد المنظومة التي تسعى إلى تطبيع العجز، وتكريس الاستسلام، وإعادة إنتاج اللامساواة واللامعنى.
غياب محمد كسوس عن المشهد لا يعني غياب صوته. ففكره ما زال يتردد في ممرات الجامعة، وينبض في قلب كل من لا يزال يؤمن بأن المعرفة يجب أن تكون منحازة للحق، وأن السوسيولوجيا لا يمكن أن تكون محايدة في زمن تُرتكب فيه المجازر الرمزية كل يوم داخل الحقل الأكاديمي. السؤال الذي تركه محمد كسوس مفتوحاً، لا يزال يواجهنا جميعاً: هل نكتب لنُطبع مع الرداءة؟ أم نكتب لنحفر في صخر الصمت ونقاوم آلة التدجين؟ وحده هذا السؤال يحدد من معنا، ومن اصطفّ في طابور الضباع.
الحسيمة في 27 يونيو 2025
ابو علي بلمزيان

