كشفت المندوبية السامية للتخطيط، في مذكرتها الإخبارية الأخيرة حول الحسابات الوطنية لسنة 2024، عن تحقيق الاقتصاد الوطني نموا ملحوظا بلغ 3.8 بالمائة.
ويأتي هذا التحسن في سياق اقتصادي مركب، يعكس ديناميكيات متباينة عبر مختلف القطاعات، ويطرح تحديات فيما يتعلق بتمويل النمو.
أداء قطاعي متباين وديناميكية الطلب الداخلي
ورغم هذا النمو الإجمالي الإيجابي، أظهرت تفاصيل القطاعات تباينا واضحا. فقد سجلت القيمة المضافة للقطاع الأولي تراجعا بالحجم بنسبة 4.5 في المائة، مما يعكس التحديات التي قد يواجهها هذا القطاع الحيوي، خاصة في ظل الظروف المناخية. في المقابل، شهد القطاع الثانوي انتعاشا قويا، حيث ارتفع معدل نمو قيمته المضافة من 0.8 في المائة إلى 4.2 في المائة، ما يشير إلى تحسن في الأنشطة الصناعية والتحويلية.
أما القطاع الثالث (الخدمات)، فرغم استمراره في المساهمة الإيجابية، فقد شهد تباطؤا طفيفا في معدل نموه لينتقل من 5 في المائة إلى 4.6 في المائة.
وعلى صعيد الناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية، ارتفع بنسبة 7.9 في المائة، متأثرا بزيادة في المستوى العام للأسعار بلغت 4.1 في المائة. هذا النمو كان مدفوعا بشكل كبير بتحسن الطلب الداخلي الذي سجل نموا بنسبة 5.8 في المائة، مما يؤكد على دور الاستهلاك والاستثمار المحليين في دعم النشاط الاقتصادي.
ارتفاع الاستثمار والمبادلات التجارية مع تفاقم الحاجة للتمويل
وشهد إجمالي تكوين الاستثمار (بما في ذلك إجمالي تكوين رأس المال الثابت، التغير في المخزون وصافي اقتناء النفائس) نموا لافتاً بنسبة 10.9 في المائة، ما يعكس ثقة المستثمرين وتوجههم نحو توسيع القدرات الإنتاجية.
وفيما يتعلق بالمبادلات الخارجية، سجلت الواردات ارتفاعا بنسبة 11.6 في المائة، بينما نمت الصادرات من السلع والخدمات بنسبة 8 في المائة. هذا الفارق في وتيرة نمو الواردات والصادرات، رغم الأداء الجيد للأخيرة، يساهم في تفسير بعض الضغوط على الميزان التجاري.
وعلى الرغم من ارتفاع الادخار الوطني ليصل إلى 28.9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وهو مؤشر إيجابي على قدرة الاقتصاد على توليد الفوائض، فقد كشفت المذكرة عن تفاقم الحاجة لتمويل الاقتصاد الوطني لتبلغ 1.2 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.
هذا التطور يشير إلى أن الاستثمارات المتزايدة والطلب الداخلي القوي قد تجاوزا مستوى الادخار المحلي المتاح، مما استدعى اللجوء إلى مصادر تمويل إضافية لسد هذه الفجوة.
بشكل عام، ترسم مذكرة المندوبية السامية للتخطيط صورة لاقتصاد وطني يواصل مساره نحو التعافي والنمو، معتمدا على حيوية قطاعاته الثانوية والخدمية وقوة الطلب الداخلي. ومع ذلك، تظل التحديات قائمة، خاصة فيما يتعلق بتقلبات القطاع الأولي والحاجة إلى تعبئة موارد تمويل كافية لدعم وتيرة النمو الطموحة وضمان استدامتها.

