كشف تقرير حديث صادر عن البنك الدولي حول “النمو والتشغيل” أن الاقتصاد المغربي، رغم التقدم الذي حققه خلال العقود الأخيرة، ما يزال يواجه اختلالات هيكلية تحد من قدرته على خلق فرص الشغل وتحقيق نمو أكثر شمولا.
وأوضح التقرير أن معدل النمو بلغ في المتوسط نحو 4.7 في المائة خلال العقد الأول من الألفية، قبل أن يتباطأ لاحقا، مع بقائه قريبا من المعدل العالمي دون تحقيق تقارب كافٍ مع الاقتصادات الصاعدة. ورغم تراجع نسبة الفقر من 25 في المائة سنة 2004 إلى 5.7 في المائة سنة 2022، فإن هذا التحسن لم يواكبه إحداث كافٍ لفرص العمل.
وسجل التقرير عجزا مزمنا في سوق الشغل، حيث بلغ متوسط النقص السنوي في فرص العمل نحو 215 ألف منصب بين سنتي 2000 و2024، ليرتفع إلى حوالي 370 ألف منصب سنوياً خلال الفترة ما بين 2020 و2024، ما يعكس محدودية قدرة النمو الاقتصادي على استيعاب الزيادة في السكان في سن العمل. كما تراجع معدل المشاركة في سوق الشغل من 53.1 في المائة سنة 2000 إلى 43.5 في المائة سنة 2024، خاصة في صفوف الشباب والنساء، مع اتساع الفجوة بين الجنسين، إذ لم تتجاوز نسبة مشاركة النساء 19 في المائة سنة 2024.
وعلى مستوى بنية النمو، أبرز التقرير أن الاقتصاد المغربي يعتمد بشكل كبير على الاستثمار، الذي يمثل نحو 30 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بعدد من الدول، غير أن مردوديته تبقى محدودة، إذ لا تتجاوز مساهمة الإنتاجية الإجمالية لعوامل الإنتاج ما بين 0.7 و0.8 نقطة مئوية سنوياً. كما أشار إلى أن ما بين 50 و66 في المائة من إجمالي الاستثمار يتم بواسطة القطاع العام، ما يحد من دينامية القطاع الخاص ويؤثر على تنافسية الاقتصاد، في وقت نمت فيه القروض الموجهة للقطاع العام بوتيرة أسرع من تلك الموجهة للقطاع الخاص منذ الجائحة.
وفي ما يتعلق بالنسيج المقاولاتي، أوضح التقرير أن المغرب يضم نحو 363 ألف مقاولة، تشكل المقاولات الصغيرة جداً منها حوالي 94 في المائة، وهو ما يحد من قدرتها على خلق فرص شغل واسعة. كما أشار إلى أن أكثر من ثلثي العمال يشتغلون دون عقود رسمية، ما يعكس انتشاراً كبيراً للاقتصاد غير المهيكل، إلى جانب تسجيل ضعف في جاذبية الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال العقد الأخير، رغم بعض التحسن المسجل حديثاً.
وفي جانب سوق العمل، سجل التقرير اختلالات في ملاءمة منظومة التعليم مع متطلبات السوق، حيث يشتغل نحو 43 في المائة من خريجي التعليم العالي في وظائف أقل من مؤهلاتهم. كما فقد القطاع القروي حوالي 1.2 مليون منصب شغل بين 2015 و2024، نتيجة تأثيرات التغيرات المناخية والجفاف.
وخلص التقرير إلى أن الاقتصاد المغربي يواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في ضعف دينامية القطاع الخاص وعدم قدرة سوق الشغل على استيعاب اليد العاملة، داعياً إلى إصلاحات هيكلية لتعزيز الإنتاجية وتحفيز الاستثمار الخاص وتحسين مناخ الأعمال لتحقيق نمو أكثر استدامة وشمولاً.

