كشف الإعلام الإسباني عن مضامين النسخة المحينة لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب إلى الجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو الانفصالية خلال مفاوضات نهاية الأسبوع الماضي في مدريد.
المبادرة وفق صحيفة “أتالايار” الاسبانية، التي أعدها ثلاثة مستشارين ملكيين بتكليف مباشر من جلالة الملك محمد السادس، وهم الطيب الفاسي الفهري، وعمر عزيمان، وفؤاد عالي الهمة، تهدف إلى وضع هندسة قانونية ودستورية لتوزيع الصلاحيات بين الدولة المركزية والأقاليم الصحراوية، بعد اعتماد مجلس الأمن القرار 2797 الذي أكد على جدية وواقعية المبادرة كأساس للتفاوض النهائي حول النزاع الإقليمي.
مشروع قانون مؤسسي
وتتضمن النسخة المحينة وفق المصدر ذاته، نحو 40 صفحة تفصيلية، صيغت على شكل مشروع قانون مع تعريفات معيارية وأحكام تفسيرية وانتقالية، وآليات تنسيق دستوري ورقابة مؤسساتية.
يعتمد توزيع الصلاحيات على لائحتين: واحدة حصرية للدولة وأخرى للجهة، مع قاعدة تنص على أن أي اختصاص غير منصوص عليه يبقى للدولة.
وتشمل الصلاحيات السيادية للدولة الدفاع، والأمن، والسياسة الخارجية، والعملات والجنسية، والنظام القضائي، فيما تمنح الأقاليم صلاحيات واسعة في التخطيط الاقتصادي، والتنمية، والصحة، والتعليم، والبيئة، والبنيات التحتية، والنهوض الثقافي، مع إمكانية إصدار تنظيمات ملزمة.
ويكرس النص مبدأ “الولاء الدستوري” لضمان انسجام الأداء الجهوي مع وحدة الدولة، مع بند يسمح بتعليق مؤقت لبعض الاختصاصات الجهوية في حالات استثنائية وفق مسطرة قانونية وخاضعة للرقابة القضائية.
مؤسسات وبرلمان جهوي
تقترح المبادرة إحداث برلمان جهوي أحادي الغرفة بشرعية مزدوجة تجمع بين أعضاء منتخبين وأعضاء من القبائل الصحراوية، مع حصة إلزامية للنساء، وصلاحيات تشريعية كاملة، إضافة إلى عضوية ممثلي الجهة في البرلمان الوطني، ومجلس جهوي اقتصادي واجتماعي وبيئي للاستشارة في الميزانية وإصدار تقارير سنوية.
وتوضح المبادرة أن السلطة التنفيذية الجهوية يقودها رئيس حكومة يعينه الملك وفق آلية مؤسساتية، ويتمتع بحق المبادرة التشريعية وتعيين كبار المسؤولين، مع مساءلته عبر ملتمس رقابة.
القضاء والمالية والضمانات السيادية
وتشمل المبادرة نظام محاكم جهوية ابتدائية واستئنافية، إضافة إلى محكمة عليا للفصل في النزاعات القانونية الجهوية، مع إخضاعها للرقابة الدستورية الوطنية، ووجود آلية لتسوية تنازع الاختصاصات قبل اللجوء للمحكمة الدستورية.
كما يعتمد النظام المالي الجهوي على موارد ذاتية وحصة محددة من العائدات الوطنية، مع آلية تضامن وطني وصندوق توازن تحت رقابة المجلس الأعلى للحسابات، وتنظيم الاستثمارات الأجنبية وحماية الأراضي الجماعية وتأطير المشاريع الطاقية والاستراتيجية.
آليات الانتقال والمصالحة
وتنص المبادرة على ترتيبات خاصة بمشاركة سكان مخيمات تندوف، ولجنة دائمة لتنظيم العودة، إضافة إلى برنامج لنزع السلاح وإعادة الإدماج مع آليات عفو محددة وفق القانون الدولي.
كما يعرض الحكم الذاتي على استفتاء وطني قبل إدراجه في الدستور، مع آلية مراجعة مستقبلية مشترطة بأغلبية مزدوجة، ويؤكد النص على حصرية الدولة ومنع أي تأويل انفصالي.
وتؤكد الوثيقة الطابع الوحدوي للدولة المغربية، وتنص صراحة على استبعاد أي تأويل قد يفضي إلى الانفصال، مع منع أي شكل من أشكال “الدبلوماسية الموازية”، وقصر التعاون الدولي الجهوي على التنسيق مع الدولة.
تعزيز الطابع القانوني لمبادرة الحكم الذاتي
وفي تعليق على هذه المعطيات، قال سعيد الصديقي، أستاذ القانون الدولي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، في تصريح لموقع “كاب أنفو”، إن هذه التسريبات، إن صحت، “تتطابق في جوهرها مع النسخة الأولى لمبادرة الحكم الذاتي، مع توسع وتدقيق في بعض البنود، خاصة ما يتعلق باستبعاد أي تأويل انفصالي للمقترح”.
وأضاف أن “النسخة الجديدة، إذا تأكدت، تعزز الطابع القانوني والمؤسساتي للمبادرة، وتكرس بشكل صريح أن الحكم الذاتي لا يمكن أن يشكل مدخلا لأي مسار انفصالي مستقبلا”.

