لم يكن يونس بلغازي مجرد اسم في لائحة مناضلي حراك 20 فبراير، ولا فقط فناناً مغربياً مستقلاً حمل الكاميرا في وجه التعتيم، بل كان مشروع إنسان، مزج بين التمرد الأصيل والإبداع الحر، بين الحلم الجماعي والبحث الشخصي عن المعنى.
وُلد يونس في التسعينات بمدينة سلا، وبرز في الأوساط الحقوقية كصوت مختلف لا يشبه جيله. كان ولداً مفعماً بالحياة، مسكوناً بالفن، ورافضاً الخضوع للمألوف.
مع انطلاق حركة 20 فبراير، لم يكن يونس شاباً منضبطاً تنظيمياً بالمعنى الكلاسيكي، لكنه انخرط في صفوف شباب الحركة بشكل تلقائي وعميق، معتبراً أن الثورة لا تكتمل دون إبداع، داعياً إلى جعل الفن أداة للنضال. وساهم في تغطية الحراك الاجتماعي في المغرب من خلال الكاميرا، ملتقطاً تفاصيل لا تراها وسائل الإعلام الرسمية.
تخرج يونس من مدرسة مهن السينما، لكنه اختار أن ينسج أعماله خارج المؤسسات الرسمية، وآمن بأن الفن يمكن أن يولد من الشارع ومن نبض الناس. اشتغل على عدة أفلام وثائقية ذات طابع اجتماعي، مثل فيلم “باسطا” و”475 أو عندما يصبح الزواج عقوبة”، وكان من بين المبادرين إلى طرح فكرة “مهرجان المقاومة والبدائل”.
في كل مشاريعه، ظل يونس يردد أن الفن الحقيقي لا يحتاج لميزانيات ضخمة، بل لنظرة جريئة، وصوت صادق. أحب موسيقى الريغي، واختار الانضمام إلى أحرار الهامش الذين يصنعون الجوهر. ظل يرى في الفن ملاذاً وميداناً، وفي الأغنية وسيلة لإعلان الحب والتمرد معاً. وحين قرر الهجرة إلى ألمانيا، لم يغادر أفكاره، بل حملها معه. هناك واصل الغناء من أجل السلام، والحب، والحرية، مؤمناً بأن الحياة ممكنة خارج القوالب، وأن الفن يمكن أن يكون ثورة، وأن العدسة يمكن أن تكون سلاحاً، وأن الحب يستحق أن يُغنّى له حتى النهاية.
رحل يونس بلغازي في عنفوان شبابه إثر أزمة قلبية ألمت به في ألمانيا، لتسقط ورقة أخرى من جيل الشباب الفبرايري الذي فتح ذراعيه ملء السماء نحو مد “ربيعي” واعد بإمكانية إرساء وطن يتسع للجميع ويضمن لهم حقهم في الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، قبل أن يجرفه جزر الواقع القاسي ليجد نفسه وحيداً أمام مصيره، متحملاً الخيارات الأكثر استبعاداً، بعدما خذلته مؤسسات الدولة وهياكل المجتمع و”نخبه”… فلم يجد مفراً من الهروب نحو غياهب الشتات بين منسي ومعتقل ومنفي وفقيد تطويه صفحات الرثاء.
رحم الله يونس ومن غادرونا من شابات وشباب الحراك الفبرايري..لروحهم النور ولذكراهم البقاء.

