المشاكس أسامة الخليفي يترجل عن صهوة الحياة

في لحظة فرح بهطول الأمطار التي عادت بعد سنوات من الجفاف، لم يكن أحد منا يتوقع سماع الخبر الصادم: أسامة الخليفي يغادر الحياة. في مساء 31 يناير 2025، وصلنا النبأ الحزين: “إنا لله وإنا إليه راجعون.” رحل أسامة عن عمر 37 عامًا بعد صراع طويل مع مرض السرطان، الذي لم يُجدي معه العلاج. ورغم رحيله المبكر، ترك أسامة أثراً عميقاً في قلوب من عرفوه، سواء في مجالي السياسة أو الحياة الشخصية.

أسامة الخليفي لم يحظَ بحياة سهلة منذ بداياته. ترعرع في حي شعبي بمدينة سلا، حيث كانت حياته مليئة بالتوترات المستمرة. أسرته كانت تعاني من تحديات اقتصادية واجتماعية كثيرة، ما جعل تلك الظروف تشكل شخصية أسامة منذ طفولته. كان واقع الحياة القاسي حافزًا له للتمرد على الوضع الذي عاش فيه، ليُظهر في شبابه روحًا ثائرة وأحلامًا أكبر من محيطه. لم يكمل دراسته كما فعل غيره من أقرانه، إذ كانت الحياة العائلية تعترض طريقه، لكنه لم يستسلم قط، بل سعى جاهداً من أجل تغييره من خلال العمل السياسي والنضال.

أسامة كان يُلقب بـ”الشاب المشاكس” من قبل أصدقائه، وهو لقب يعكس شخصيته الثائرة والمستقلة، فكان دائمًا في طليعة المعترضين على ما هو قائم. انخرط في الحياة السياسية منذ سنوات قبل انطلاق حركة 20 فبراير، وكان له دور بارز فيها. أسامة بدأ مسيرته السياسية في مدرسة الشبيبة الاتحادية، حيث شغل منصب كاتب فرع الشبيبة في باب المريسة بسلا بين عامي 2008 و2010. كما شارك بقوة في المظاهرات التضامنية مع الشعب الفلسطيني ضد العدوان على غزة في فترة “غزة تحت النار”. ورغم معاناته الشخصية، ظلّ أسامة مؤمناً بالتغيير والنضال من أجل العدالة الاجتماعية والديمقراطية.

عندما انطلقت حركة 20 فبراير في 2011، كان أسامة في طليعة من دعوا للاحتجاج والمطالبة بالإصلاحات. أصبح أحد أبرز الوجوه الشبابية في الساحة السياسية المغربية، وواصل العمل السياسي حتى انضمامه في حزب الأصالة والمعاصرة في 2012، حيث شغل منصب عضو في المجلس الوطني للحزب ومن ثم عضوًا في الأمانة الجهوية للحزب في الرباط. لكن مع مرور الوقت، وبعد سنوات من النشاط السياسي، اختار أسامة الابتعاد عن الحياة العامة في 2020 والتفرغ لحياته الشخصية.

في الأيام الأخيرة من حياته، كان أسامة لا يزال يتمتع بالأمل في الحياة رغم معاناته الشديدة. كتب قبل وفاته على حسابه في فيسبوك: “سيأتي يوم يحتضنني قبري… ويصمت قلبي… وتختفي ابتسامتي… وربما رحيلي قريب… فسامحوني… وادعوا لي بقلب صادق.” كانت هذه الكلمات شهادة على إيمانه العميق ومقاومته القوية لظروفه.

أسامة الخليفي كان نموذجًا للشاب الذي رفض الاستسلام. رحل قبل أن تتحقق أحلامه، ولكنه سيظل ذكرى حية في قلوبنا جميعًا. ترك أثرًا باقٍ في مسار العمل السياسي المغربي، وأصبحت مبادئه في العدالة و الحرية شعلة من الأمل في قلوب من عرفوه. سيظل أسامة رمزًا للثائر الذي لا يُسلم أبدًا حتى في أصعب الظروف، وسنظل نتذكره بحب واعتزاز.