شهد المغرب عام 2025 أحداثا جسدت تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية ورياضية بارزة، وجعلت من السنة محطة فارقة في ذاكرة المغاربة، فبين انتصارات دبلوماسية، حراك شبابي، كوارث طبيعية وإنجازات رياضية، عاش المواطن المغربي تحديات متشابكة بين السياسة الداخلية والمحيط الدولي، وسط تطورات متلاحقة على جميع الأصعدة، ما جعل 2025 عاما استثنائيا في ملامح الحياة اليومية والسياسية والثقافية.
سنة الحسم في ملف الصحراء المغربية
في آخر اشهر السنة الميلادية، كان المغرب على موعد مع الحسم في قضية الاولى بعد 50 سنة من التحركات الديبلوماسية ،ففي 31 أكتوبر 2025، صدر قرار مجلس الأمن رقم 2797، معززا موقف المغرب دوليا وداعما لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية.
القرار تزامن مع تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة “مينورسو”، ما يعكس ثقة متزايدة بعدد من القوى الكبرى بالمقاربة المغربية، ويضع المغرب في موقع فاعل لتوجيه الحل السياسي بعيدًا عن منطق النزاع المطول.
هذا الإنجاز الدبلوماسي يظهر نجاح المغرب في تحريك ملف الصحراء بطريقة استراتيجية، رغم استمرار الجمود على مستوى بعض الدول الأعضاء في مجلس الأمن، ما يجعل الحراك الدبلوماسي المغربي محط متابعة دقيقة من قبل المحللين الدوليين.
جيل “Z 212”.. حين نطق الشباب
برزت فئة الشباب المولود بين أواخر التسعينيات وبداية الألفية الثالثة كقوة ضغط جديدة في الشارع المغربي، حيثث بدأت شرارة الاحتجاجات على منصات رقمية مثل “ديسكورد” و”تيك توك”، قبل أن تنتقل إلى المدن الكبرى بين 27 شتنبر و9 أكتوبر، مطالبة بإصلاح التعليم والصحة ومكافحة الفساد.
الحراك كشف عن تحول عميق في العلاقة بين الشباب والدولة، مع احتجاجات سلمية انقلب بعضها إلى أعمال عنف، وتسجيل توقيف حوالي 2480 شخصا ومتابعات قضائية بالجملة.
واستمرار الاحتجازات والمتابعات في ملفات مثل حراك جيل Z، يعكس توجها نحو تشديد السيطرة على الفضاء العام، مقابل تراجع آليات الحوار السياسي والوساطة، ما يزيد من الاحتقان ويضع صورة المغرب الحقوقية أمام اختبارات متجددة.
وأظهرت هذه التحركات قدرة الشباب على التعبير الرقمي والتحرك الميداني في آن واحد، لكنها طرحت أيضا تحديات أمام السلطات في كيفية إدارة الاحتجاجات بما يحفظ الحقوق ويضمن الأمن، خاصة في ظل شعور الشباب بالاستبعاد من القرارات السياسية التقليدية.
فاجعتي آسفي وفاس
اختتم المغرب سنة 2025 بهطول امطار الخير في مختلف المدن المغربية بعد انحسار استمر سنوات، فما ان جادت السماء بامطار الخير حتى شهدت مدينة آسفي فاجعة ستبقى في الذاكرة، ففي 14 أكتوبر، فيضانات مدمرة ستشق ازقة آسفي الهادئة مودية بحياة 37 شخصا، ما خلف حزنا وألما عميقا لدى ساكنة المدينة، إلى جانب خسائر مادية كبيرة للتجار الذين يعتمدون التجارة كمصدر قوت يومي لهم.
وفي العاصمة العلمية فاس، فاجعة أخرى كشفت واقع البناء العشوائي الذي غمر المدينة ومثلها في غالبية مدن المملكة، أدى انهيار مبنيين إلى مصرع 22 شخصا، مخلفا صدمة كبيرة لسكان المدينة.
هذه الحوادث وغيرها، أعادت فتح النقاش حول هشاشة البنية التحتية والسلامة العمرانية، مؤكدة الحاجة إلى استراتيجيات وقائية واضحة، تشمل مراجعة المخططات العمرانية، إنشاء نظم إنذار مبكر، وتحسين شبكات الصرف والصيانة.
وتكشف الوفيات والخسائر المادية الكبيرة عن استمرار قصور في الجاهزية والتخطيط الاستباقي، كما تطرح تساؤلات حول فعالية الرقابة على المشاريع العمرانية وضرورة محاسبة المسؤولين عن الإهمال، ما يجعل من حماية الأرواح أولوية لا يمكن تجاوزها في السياسات المحلية والمخططات الوطنية.
إصلاحات قانونية.. بين الحقوق والحريات
شهد المغرب صدور قوانين مهمة خلال 2025، من بينها قانون الإضراب، قانون المسطرة الجنائية، وقانون العقوبات البديلة، والتي هدفت إلى تعزيز الحقوق والحريات، إلا ان هذه القوانين واهجهت انتقادات حقوقية ونقابية حادة حول محدودية بعض الضمانات، ما يعكس التحدي المستمر في الموازنة بين حماية الحقوق الفردية وتحقيق المصلحة العامة.
وجاءت هذه الإصلاحات ضمن سياق أوسع لإعادة التوازن بين تطلعات المجتمع المدني ومتطلبات الدولة، لكنها اختبرت قدرة المؤسسات على التنفيذ الفعال والشفاف، ما يجعل من تقييم أثرها على المواطنين مسألة مركزية في السنوات القادمة.
المشهد الصحفي في قلب الجدل
تميزت السنة الماضية بواقعة إعلامية هزت المشهد الصحافي المغربي بعد تسريب جلسة محاكمة حميد المهدوي أمام لجنة أخلاقيات الصحافة، حيث أظهرت الوثائق تجاوزات وسلوكيات غير مهنية وتدخلات مشبوهة في القضاء.
وأثار التسريب جدلا واسعا حول شفافية عمل اللجنة وقدرتها على الاستمرار في مهامها، خصوصا مع انتهاء مدة صلاحيتها، وأعاد النقاش حول حماية حرية التعبير واستقلالية المؤسسات الإعلامية، فيما مرر مجلس المستشارين في دجنبر الماضي مشروع قانون رقم 026.25، المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، في جلسة شهدت انسحاب مكونات المعارضة.
وفي المحصلة، تركت الواقعة أثرا بالغا على ثقة الجمهور في الرقابة الصحافية وأكدت الحاجة إلى إصلاح حقيقي لتعزيز المهنية والشفافية وضمان احترام الحقوق والحريات.
كما مر المشهد الإعلامي خلال سنة 2025 بمرحلة وصفت بأنها من “الأكثر قتامة” خلال السنوات الأخيرة، في ظل تزايد المتابعات القضائية وتراجع هوامش حرية التعبير، واستمرار الضغوط غير المباشرة على الصحافة المستقلة.
وأعادت قضايا اعتقال الصحافيين إلى الواجهة، ليس فقط كحالات فردية، بل كمؤشرات على نمط أوسع من التضييق على الأصوات النقدية.
نهضة كروية
جادت سنة 2025 بألقاب كبرى على خزينة المملكة المغربية، حين توج المنتخب المغربي للشباب بكأس العالم في تشيلي، بينما حصد المنتخب الأول لقب كأس العرب في قطر 2025، نجاحات لم تكن مجرد حدث رياضي، بل انعكاسا مباشرا للاستثمارات في البنية التحتية والتكوين الرياضي، وقدرة الأطر الوطنية على إدارة المنافسات الكبرى تحت الضغط.
واختتم المغرب السنة بتنظيم الحدث القاري الأبرز، كأس أمم افريقيا، والتي عرفت تنظيما محكما واقبالا لافتا، وإشادة واسعة من اغلب الفرق المشاركة وعشاق المستديرة، كما عرفت حضور شخصيات كروية بارزة في عالم المستديرية، وارتفع منسوب الحماس منذ يوم الافتتاح الى اخر مباراة اقيمت خلال السنة الميلادية 2025.
وتعكس هذه الإنجازات أيضا دور الرياضة كرافعة للتنمية والتأثير الرمزي والاجتماعي، إذ استطاعت كرة القدم أن تجمع الشعب حول هوية وطنية موحدة وتمنح الشعور بالفخر الجماعي، في وقت تشهد فيه البلاد تحولات سياسية واجتماعية معقدة.
صوت المغاربة ضد الإبادة في غزة
امتد النشاط المدني خلال سنة 2025 ليشمل حراكا تضامنيا واسعا مع الشعب الفلسطيني، مستنكرا العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
وشهدت المدن المغربية خاصة مدن الشمال، عشرات الوقفات والمسيرات المنظمة من قبل هيئات مدنية، تمحورت المطالب فيها حول وقف الحرب ورفع الحصار عن غزة.
ورغم بعض التوترات المحدودة، حافظت غالبية هذه الوقفات على الطابع السلمي، ما يعكس وعي المجتمع المدني المغربي وقدرته على التعبير عن القضايا الإنسانية الكبرى، مع إبراز دور الفضاء الرقمي في التعبئة والتحشيد، ما يعكس تحول الشباب والمجتمع المدني نحو أدوات جديدة للتأثير الاجتماعي والسياسي.

