إعداد : كاب أنفو
تظل بعض الأيام محفورة في الذاكرة الجماعية للشعوب، ليس كتواريخ عابرة، بل كنقاط تحول كشفت عن عمق التوترات الاجتماعية والسياسية. ويعد يوم 20 يونيو1981 في المغرب أحد أبرز هذه الأيام؛ إنه تاريخ “انتفاضة كوميرة”، الانتفاضة التي انطلقت من أجل رغيف الخبز لتتحول إلى صرخة مدوية ضد السياسات الاقتصادية القاسية وقمع الحريات، وتكتب فصلا داميا في حقبة عرفت لاحقا بـ “سنوات الرصاص”.
ضغوط اقتصادية وقرارات حكومية
في أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي، كان المغرب يمر بظروف اقتصادية صعبة، تفاقمت بفعل سنوات الجفاف وتكاليف أخرى. وفي هذا السياق، خضع المغرب لضغوط متزايدة من المؤسسات المالية الدولية، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لتطبيق سياسات تقشفية قاسية عرفت ببرنامج “التقويم الهيكلي”. كانت هذه السياسات تشترط رفع الدعم الحكومي عن المواد الأساسية كشرط لتقديم القروض.
استجابة لهذه الضغوط، أعلنت حكومة الوزير الأول آنذاك، الراحل المعطي بوعبيد، في 28 ماي 1981، عن زيادات ضخمة في أسعار المواد الغذائية الأساسية. شملت هذه الزيادات مواد حيوية للطبقات الشعبية مثل الدقيق، السكر، الزيت، والزبدة، مما يعني أن “الكوميرة” (الخبز)، التي تمثل قوت الفقراء اليومي، أصبحت أغلى ثمنا. كان هذا القرار بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل الغضب الشعبي، حيث شعر المواطن البسيط بأن الحكومة تضحي بلقمة عيشه إرضاء لدوائر مالية خارجية.
دعوة إلى الإضراب العام
أمام هذا القرار الذي مس مباشرة القدرة الشرائية للمواطنين، لم تقف الحركة النقابية مكتوفة الأيدي. بادرت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT)، وهي منظمة نقابية فتية ومستقلة تأسست عام 1978، إلى التنديد بهذه الزيادات، معتبرة إياها هجوما على الطبقة العاملة وعموم المغاربة.
وبعد فشل محاولات الحوار مع الحكومة، دعت الكونفدرالية إلى شن إضراب عام وطني يوم 20 يونيو 1981، كشكل من أشكال الاحتجاج السلمي للضغط على الحكومة للتراجع عن قراراتها.
لقيت الدعوة استجابة واسعة، خاصة في المدن الكبرى ذات الكثافة العمالية مثل الدار البيضاء، الرباط، فاس، ومراكش. كان الهدف هو شل الحركة الاقتصادية في البلاد لإيصال رسالة واضحة بأن المساس بقوت الشعب خط أحمر.
قمع دموي ومواجهات عنيفة
في صباح يوم 20 يونيو، تحول الإضراب السلمي في الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للبلاد، إلى انتفاضة شعبية عارمة. خرج الآلاف من العمال والشباب والنساء إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم.
لكن رد فعل السلطات كان عنيفا وغير متوقع. بدلا من احتواء الموقف، لجأت قوات الأمن والجيش إلى القوة المفرطة لتفريق المتظاهرين.
تحولت شوارع الدار البيضاء، خاصة في الأحياء الشعبية، إلى ساحة حرب حقيقية. ووجه المحتجون بالرصاص الحي، مما أسفر عن سقوط ضحايا بين قتيل وجريح.
لم تكتفي الدولة بالقمع الدموي في الشوارع، بل شنت حملة اعتقالات واسعة استهدفت المنظمين والداعمين للإضراب. كان الهدف واضحا: كسر شوكة الحركة النقابية المعارضة وتصفية الحسابات مع الخصوم السياسيين. شملت الاعتقالات:
- قيادات الكونفدرالية الديمقراطية للشغل: تم اعتقال الكاتب العام للمنظمة، نوبير الأموي، وثلاثة أعضاء بارزين من مكتبها التنفيذي: محمد الأمراني، عبد الكبير بزاوي، وعبد الرحمان شناف. كان اعتقالهم رسالة قوية بأن الدولة لن تتسامح مع أي تحدٍ لسلطتها.
- النقابات الحليفة: امتدت الاعتقالات لتشمل نقابيين آخرين مثل عبد الله المستغفر، الكاتب العام للنقابة الوطنية للتجار الصغار والمتوسطين، مما يدل على أن القمع استهدف كل من ساند الإضراب.
- استهداف المعارضة السياسية: استغلت الدولة هذه الأحداث لإقحام حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (USFP)، الذي كان يمثل آنذاك أبرز حزب معارض لسياسة “المخزن”.
تم اتهام الحزب بالوقوف وراء “أعمال الشغب” والتحريض عليها. ونتيجة لذلك، تم اعتقال قياديين بارزين في الحزب، منهم مصطفى القرشاوي، رئيس تحرير جريدة “المحرر” الناطقة باسم الحزب، ومحمد كرم، عضو المكتب السياسي للحزب. كان الهدف من ذلك هو إسكات الصوت الإعلامي والسياسي المعارض وشل قدرته على الحركة.

