باحث مغربي: جهة الشرق قد تكون موطن أقدم استيطان بشري في شمال إفريقيا

حسن أوراغ

كشف الدكتور حسن أوراغ، الباحث المتخصص في علم الحفريات بجامعة محمد الأول بوجدة، عن مؤشرات علمية قوية ترجح أن تكون جهة الشرق هي موطن “أقدم استيطان بشري في منطقة شمال إفريقيا”.

جاء ذلك خلال استضافته في أولى حلقات البرنامج الإذاعي الجديد “صوت الشرق”، الذي يقدمه الزميل عبد المجيد أمياي، على أثير “كاب راديو” ومنصات “كاب أنفو” وكاب تي في على مواقع التواصل الاجتماعي.

و أكد أوراغ أن الأبحاث الميدانية الجارية، واللقى المتمثلة في الأدوات الحجرية المكتشفة، تعطي دلالات واضحة على قدم الوجود البشري بهذه المنطقة، مشيرا إلى أن الإعلان الرسمي عن هذه النتائج ينتظر فقط مرحلة التأكيد النهائي والنشر العلمي.

وشدد الباحث المغربي على أهمية الشراكات الدولية في إعطاء قيمة مضافة للبحث العلمي، معتبراً أن العمل المشترك مع باحثين وأجانب متخصصين يرفع من مستوى الأبحاث ويمنحها صبغة عالمية، مؤكدا في الوقت ذاته على “التفاؤل العلمي” الذي يحدو الفريق لتحقيق مزيد من الاكتشافات.

وغاص اللقاء في أعماق التاريخ السحيق للمنطقة الشرقية، كاشفا عن حقائق مذهلة حول الاستيطان البشري والحيواني الذي يعود لمئات الآلاف من السنين.

استهل الدكتور حسن أوراغ حديثه بتلخيص مسيرة عقدين من الزمن (2004-2024) من الأبحاث الميدانية المضنية، والتي تمت بشراكة دولية بين جامعة محمد الأول وجامعة “تراغونا” الإسبانية. هذه الأبحاث شملت مناطق تابعة لاقليم جرادة مثل عين بني مطهر، كافيت، وكنفودة، وأسفرت عن اكتشاف أكثر من 300 موقع أثري ومستحثي ذي أهمية بالغة.

وأشار أوراغ إلى أن الفريق بصدد إعداد خريطة شاملة لهذه المواقع، معتبرا إياها الخطوة الأولى والأساسية للحفاظ على هذا التراث الوطني والتعريف به وتثمينه كرافعة للتنمية.

وقدم الباحث بكلية العلوم بجامعة محمد الأول، معطيات علمية دقيقة حول قدم الوجود البشري بالجهة الشرقية، مؤكدا أن أقدم استيطان بشري موثق في المنطقة يعود إلى 500 ألف سنة، وهي الفترة المرتبطة بـ”الحضارة الأشولية”.

وأوضح أوراغ أن هؤلاء البشر الأوائل تميزوا بمهارة عالية في صناعة الأدوات الحجرية، لاسيما “المحفار” أو ما يعرف بـ (Biface)، وهو أداة حجرية حادة من الجهتين كانت بمثابة “السكين السويسري” للإنسان القديم، يستخدمها في الصيد، والسلخ، وتقطيع اللحوم.

كما أشار إلى أن صناعة الأدوات سبقت اكتشاف النار في المغرب، حيث تعود الأدوات المكتشفة في الدار البيضاء (مقلع طوما 1) إلى 1.3 مليون سنة، بينما يعود استخدام النار لمرحلة لاحقة (حوالي 450 إلى 500 ألف سنة).

من أكثر النقاط إثارة في الحوار، وصف الدكتور أوراغ للبيئة القديمة للمنطقة. فبناء على دراسة العظام والمستحثات، تبين أن الجهة الشرقية قبل 80 ألف سنة لم تكن قاحلة كما هي اليوم، بل كانت عبارة عن أراض مخضرة تكسوها الأشجار والمراعي وتخترقها الأنهار.

هذه البيئة سمحت بوجود حيوانات ضخمة ومنقرضة، منها “الثور البري العملاق” الذي كان يتجاوز طوله المترين، وتصل قرونه إلى متر ونصف، بالإضافة إلى وحيد القرن وأصناف أخرى من الثدييات الكبيرة. وأوضح الباحث أن انقراض هذه الكائنات يعود لتغير المناخ وجفاف المصادر العيش، أو لتدخل الإنسان القديم في رحلة بقائه.

في سياق حديثه عن دلالات هذه الاكتشافات، أكد الدكتور أوراغ أن البحث العلمي يعيد الاعتبار للهوية المغربية ولارتباط الإنسان بأرضه. وشدد على أن المعطيات العلمية والجيولوجية تثبت أن سكان المغرب والجهة الشرقية ليسوا “وافدين جدد”، بل هم أصحاب حضارة متجذرة استقرت في هذه الأرض منذ مئات آلاف السنين، وتطورت مع مرور العصور من حياة الكهوف والمغارات إلى الاستقرار والزراعة في العصر الحجري الحديث.

اختتم أوراغ هذا الجزء من الحوار بالتأكيد على أن دور الباحث لا يتوقف عند النشر في المجلات العلمية العالمية، بل يمتد إلى “الذاكرة الجماعية”. وأوضح أن الهدف من تأسيس “المركز الجهوي للتعريف بالتراث” والبحث عن شراكات هو إخراج هذه الكنوز من “الرفوف والمختبرات” وتقديمها للجمهور والناشئة، لتعزيز الشعور بالانتماء والفخر بهذا التاريخ العريق الذي يضاهي أعرق الحضارات العالمية.