بلمزيان يكتب.. حديث رمضان 9: التناقض بين النسخ القرآني وسلطة الحديث: صراع التشريع وهيمنة السلطة

أبوعلي بلمزيان

إذا كان النص القرآني يقر بمفهوم النسخ كجزء من تطور الخطاب الإلهي، فإن المشكلة تظهر عندما تنسب إلى الأحاديث النبوية سلطة نسخ القرآن نفسه، وهو ما يطرح إشكالاً جوهرياً حول مصدر التشريع وحدوده. فالآية القرآنية في سورة البقرة تحدد بوضوح أن النسخ هو فعل إلهي حصري، يتم من خلال استبدال آية بآية أخرى تحمل مضموناً “خَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا” (البقرة: 106)، ما يعني أن النسخ عملية داخلية ضمن النص القرآني نفسه، وليست خارجية أو خاضعة لتدخل بشري.

غير أن الأحاديث المنسوبة للنبي جاءت لاحقاً لتعيد رسم خريطة التشريع، بإعطائها سلطة لحديث فردي، غالباً ما يكون مروياً بطرق ظنية، في تجاوز صريح للآلية التي حددها القرآن نفسه. وهذا ما يظهر في بعض الروايات مثل الحديث المنسوب إلى النبي: “ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه” (رواه أبو داود وأحمد)، حيث يفهم البعض منه أن السنة تملك سلطة تشريعية مكافئة للقرآن، بل قد يتم استخدامها لإلغائه أو تقييده، بل ذهب بعض فقهاء القرن الثاني للهجرة الى اعتبار الحديث النبوي تنسخ القرآن ( من كتاب أحمد أمين: فجر الإسلام ) . لكن هذا الفهم يتعارض مع نصوص قرآنية تؤكد أن النبي ليس إلا مبلغًا للوحي، كما في قوله تعالى: “وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ” (النور: 54)، مما يحد من صلاحية أي مصدر تشريعي آخر خارج النص القرآني نفسه.

المادية التاريخية تكشف أن هذا التحول لم يكن معزولاً عن السياق السياسي والاجتماعي. فبعد وفاة النبي، ومع تعاظم نفوذ السلطة السياسية، كان لا بد من تطوير أدوات تشريعية أكثر مرونة تتيح تكييف النصوص مع متطلبات الدولة الإسلامية المتوسعة. هنا ظهر دور الحديث كأداة لتبرير سياسات جديدة، سواء في قضايا الحكم أو الاقتصاد أو العلاقات الاجتماعية، مما فرض إعادة هندسة النصوص الدينية بطريقة تضمن خضوعها لمنطق السلطة. من هنا، تم تقديم فكرة أن السنة يمكن أن تنسخ القرآن، وهو ما يمنح الطبقة الفقهية مساحة تأويلية أكبر، تتيح لها توجيه التشريع بما يخدم مصالح الحكام والنخب الدينية على حد سواء.

جدليًا، نجد أن هذه الفكرة تحمل تناقضاً داخلياً، لأنها تجعل الحديث، وهو نص ظني الثبوت، قادراً على إلغاء نص قطعي الثبوت، مما يتناقض مع المنطق العقلي والقواعد الأصولية نفسها التي وضعها الفقهاء لاحقاً. فإذا كان الحديث بإمكانه أن ينسخ القرآن، فلماذا لم يُمنح أي نص آخر هذه السلطة؟ ولماذا بقيت هذه الميزة حكرًا على فئة من الأحاديث التي ظهرت في سياقات محددة ولم يكن لها وجود في عصر النبوة نفسه؟ هذه الأسئلة تكشف أن الأمر لم يكن مجرد تطور طبيعي في الفقه، بل كان إعادة تشكيل متعمدة لحدود التشريع، وفقاً لتوازنات القوى داخل الدولة الإسلامية في مراحلها المختلفة.

في النهاية، فإن التعارض بين النسخ القرآني والنسخ الذي تدعيه بعض الأحاديث ليس مجرد خلاف فقهي، بل هو انعكاس لصراع طويل حول من يملك سلطة التشريع. فبينما يضع القرآن هذه السلطة حصريًا بيد الإله، كما في قوله تعالى: “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ” (الأنعام: 57)، جاءت المؤسسات الفقهية لتعيد توزيعها، بما يسمح لها بالتحكم في مسار التشريع بما يخدم استمرارية النظام القائم. وهذا يعيدنا إلى السؤال الجوهري حول علاقة الدين بالسلطة، وكيف أن النصوص لم تكن معزولة عن عمليات الهيمنة وإعادة الإنتاج الأيديولوجي التي حكمت تاريخ المجتمعات الإسلامية منذ نشأتها

الحسيمة – أبوعلي بلمزيان