دعم الأغنام.. هل “يقسم” ظهر الأغلبية الحكومية ويشعل فتيل الصراع على حكومة المونديال؟

أثار الدعم الحكومي لاستيراد المواشي في المغرب جدلا واسعا بسبب الخلافات الداخلية في الأغلبية الحكومية حول الأرقام الحقيقية لتوزيع هذا الدعم، وتداعياته على الأسعار في السوق المحلي. ورغم أن الحكومة أكدت أن الهدف من هذا الدعم هو تخفيف العبء على المواطنين في فترة عيد الأضحى، إلا أن المعطيات تكشف أن السياسات لم تثمر النتائج المأمولة، مما دفع الأحزاب السياسية ومتابعين للشأن السياسي والاجتماعي إلى التعبير عن استيائها، وسط شكوك حول الأهداف الحقيقية لهذا الدعم.

تصريحات متضاربة وتناقض في الأرقام

تعيش الأغلبية الحكومية في المغرب حالة من الصراع السياسي الحاد بين مكوناتها على خلفية تصريحات متناقضة حول سياسة دعم الحكومة لاستيراد الأضاحي، ففي بداية الأمر، كشف نزار بركة، وزير التجهيز والماء والأمين العام لحزب الاستقلال، عن معطيات تخص سياسة الدعم الحكومي لاستيراد الأضاحي، حيث أشار إلى أن المبلغ المخصص لدعم استيراد الأضاحي بلغ 1.3 مليار درهم، استفاد منه 18 مستوردًا فقط. كما انتقد بركة بشدة الطريقة التي تم بها توزيع هذا الدعم، موجهًا اللوم إلى الحكومة بسبب عدم تأثير هذه الأموال على أسعار الأضاحي في السوق. الأمر الذي دفعه إلى التشديد على أن ثمن الأضاحي ظل مرتفعًا في عيد الأضحى، وهو ما انعكس سلبًا على المواطنين الذين كانوا يأملون في تخفيض الأسعار.

لم يفتئ رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، إلا أن يرد على تصريحات نزار بركة، حيث أكد الطالبي العلمي أن الأرقام التي ذكرها بركة كانت مغلوطة، موضحا أن عدد المستوردين الذين استفادوا من الدعم الحكومي لم يتجاوز 100 مستورد، وليس 18 كما ذكر بركة، وأضاف أن التكلفة المالية لهذه العملية لم تصل إلى 1.3 مليار درهم كما ذكر الأمين العام لحزب الاستقلال، بل كانت في حدود 300 مليون درهم فقط.

وفي سياق حديثه، شدد الطالبي العلمي على أن الدعم الحكومي كان موجهًا إلى المستوردين بشكل معقول وبأرقام واقعية، وأوضح أن هذه الإعفاءات كانت تهدف إلى توفير الأضاحي بأسعار معقولة للمواطنين في إطار سياسة الحكومة للحد من ارتفاع الأسعار وتسهيل عملية اقتناء الأضاحي بمناسبة عيد الأضحى.

ودخل نبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، على خط الجدل القائم عبر تقديم معطيات جديدة استنادا إلى وثائق حكومية رسمية، ففي مقال نشره عبر صفحته الخاصة على فيسبوك، كشف بن عبد الله عن وثيقة حكومية رسمية تُظهر أن حجم الإعفاءات الضريبية المتعلقة باستيراد الأغنام والأبقار بلغ ما يقارب 13.3 مليار درهم. وذكر أن عدد المستوردين الذين استفادوا من هذه الإعفاءات وصل إلى 277 مستوردًا، بينهم مستوردو الأغنام والأبقار.

وأوضح بن عبد الله أن هذه المعطيات جاءت بناء على الوثائق التي قدمتها الحكومة استجابة لطلب حزب التقدم والاشتراكية في أكتوبر 2024، بهدف الحصول على تفاصيل إضافية بخصوص دعم استيراد الأضاحي، خاصة في سياق مناقشة مشروع قانون مالية 2025. ووفقًا للوثيقة الحكومية، تبيّن أن الخسارة التي تكبدتها الميزانية العامة نتيجة الإعفاءات عن استيراد الأبقار تمثلت في وقف استيفاء رسم الاستيراد المطبق على الأبقار الأليفة، وذلك من 21 أكتوبر 2022 حتى 31 ديسمبر 2024، ما كلف خزينة الدولة 7.3 مليار درهم، بالإضافة إلى 744 مليون درهم نتيجة تحمل الحكومة للضريبة على القيمة المضافة على الأبقار المستوردة.

أما بالنسبة للأغنام، فقد تحملت الحكومة أيضا إلغاء رسوم الاستيراد والضريبة على القيمة المضافة على الأغنام منذ فبراير 2023، مما كلف الميزانية العامة ما مجموعه 3.86 مليار درهم و1.16 مليار درهم على التوالي. في إطار هذه التدابير، وصل عدد المستوردين الذين استفادوا من هذه الإعفاءات إلى 144 مستوردا، ما بين فبراير 2023 وأكتوبر 2024.

وبخصوص دعم الأضاحي في عيد الأضحى 2024، أكد بن عبد الله أن عدد الأغنام المستوردة وصل إلى 474 ألف و312 رأسا، وقد استفاد مستوردوها من دعم جزافي بلغ 500 درهم لكل رأس، وهو ما كلف ميزانية الدولة 237 مليون درهم.

التخبطات الحكومية… فشل وتبريرات 

مع تصاعد الجدل حول ملف دعم استيراد الأغنام والأبقار، يتأكد يوما بعد يوم وفق مراقبين حجم التخبط الحكومي في تدبير هذا الملف الحساس، الذي لم يؤدِّ سوى إلى هدر المال العام دون أي أثر ملموس على القدرة الشرائية للمغاربة، والذي يرى فيه البعض القشة التي قسمت ظهر الوزير السابق محمد الصديقي وعصفت به من منصبه، كما ان الاعتراف الصريح للوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، بفشل هذه السياسة، جاء ليعزز الاتهامات الموجهة للحكومة بعدم قدرتها على ضبط الأسواق أو تحقيق العدالة الاجتماعية التي تتشدق بها في خطاباتها الرسمية.

هذا الاعتراف، الذي تلاه سلسلة من التصريحات المتناقضة بين حكومة الأغلبية، يطرح أسئلة مشروعة حول من يتحمل المسؤولية السياسية عن هذا الفشل، خاصة أن الأزمة لم تتوقف عند حدود عيد الأضحى، بل كشفت عن اختلالات هيكلية أعمق في طريقة تدبير الشأن الاقتصادي والاجتماعي. فبين الأرقام المتضاربة التي قدمها نزار بركة ورشيد الطالبي العلمي، وبين المعطيات التي كشفها نبيل بن عبد الله استنادا إلى وثائق رسمية، يتضح أن الحكومة نفسها غير قادرة على تقديم رواية موحدة أو تفسير مقنع لحجم الأموال التي صرفت في هذا الدعم، مما يزيد من الشكوك حول مدى الشفافية في تدبيره.

كما يرى مراقبون ان هذا التضارب قد يشكل فرصة لإعادة النظر في آليات دعم استيراد المواشي، والدعوة إلى ضرورة تعزيز الشفافية في التصريحات الحكومية وذلك ظل اقتراب استحقاقات الانتخابية حيث يسعى كل طرف لاستغلال هذه الأزمة لتأطير النقاش العام حول العدالة الاجتماعية والتفاوت الاقتصادي.