تحل اليوم 14 نونبر ذكرى استشهاد المناضل الوطني اليساري عبد اللطيف زروال شهيد الحركة الماركسية اللينينية المغربية الذي اعتقل في الخامس من نونبر 1974، و كان آنذاك عضو الكتابة الوطنية لمنظمة “إلى الأمام”، حيث اقتيد إلى المعتقل السري درب مولاي الشريف بالدار البيضاء، وهناك بدأت مأساة التعذيب الوحشي.
حاول الجلادون كسر إرادته عبر إشراك والده وتهديده أمامه، لكن صموده أصبح أسطورة بين المعتقلين، الذين شهدوا مثالًا حيًا للكرامة والصمود. وبعد أسبوع من التعذيب، نُقل إلى مستشفى ابن سينا بالرباط تحت اسم مزور، “عبد اللطيف البارودي”، حيث استشهد يوم 14 نونبر 1974 متأثراً بجراحه. تم طمس اسمه من سجلات المستشفى وإعادة صياغة محاضر الشرطة بعد وفاته، لكن إرثه بقي خالدًا.
ولد عبد اللطيف زروال في مدينة برشيد سنة 1951، ابن عبد القادر زروال وفاطمة البصراوي. نشأ في أزقة المدينة القديمة، حاملاً فضولًا لا يهدأ وعشقًا للمعرفة، وقلبًا نابضًا بالعدل وروحًا تبحث عن الحرية. حصل على الشهادة الابتدائية ببرشيد، ثم انتقل إلى الدار البيضاء لمتابعة دراسته بمعهد الأزهر، وبعدها إلى مدرسة محمد الخامس بالرباط، حيث نال شهادة البكالوريا في سن السابعة عشرة والتحق بكلية الآداب شعبـة الفلسفة، قبل أن يتم تكوينه في المدرسة العليا لتكوين الأساتذة ويصبح أستاذًا للفلسفة.
لم يقتصر نضاله على التعليم، بل انخرط في العمل السياسي منذ سن مبكرة، فشارك في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وانتمى سنة 1970 إلى قيادة منظمة “إلى الأمام”، مساهماً في وضع أسسها النظرية والبرنامج الإيديولوجي للحركة الماركسية، وبنى لنفسه مكانة بارزة كمناضل ملتزم ومثال للشجاعة والإخلاص.
تعرض عبد اللطيف للاعتقال مرات عدة، وواجه أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، لكنه ظل شامخًا، رافعًا معنويات زملائه، ومذكّرًا إياهم أن الكرامة لا تُقاس إلا بصمود القلب. في الخامس من نونبر 1974 اقتيد من شارع الزرقطوني بالدار البيضاء إلى المعتقل السري في درب مولاي الشريف، حيث تعرض لتعذيب وحشي، تحت مسامع والده، الذي اعتُقل معه لفترة قصيرة.
ويقول والده عبد القادر زروال، متذكّرًا لحظات التعذيب:
“ما تعرض له ابني لا يقع إلا عند الهنود الحمر. قضيت ساعات طويلة إلى جانبه في كوميسارية درب مولاي الشريف، أسمع أنينه دون أن أستطيع مساعدته، وكانت تلك أقسى لحظات حياتي.”
حتى في أقسى الظروف، ظل عبد اللطيف صامتًا، رافضًا الإدلاء بأي معلومات عن رفاقه، حتى عندما كان عاجزًا عن الحركة واضطر أربعة حراس لحمله على الغطاء.
وبعد أسبوع من التعذيب، نُقل إلى مستشفى ابن سينا بالرباط تحت اسم مستعار، حيث استشهد يوم الرابع عشر من نونبر 1974 متأثرًا بجراحه، وظل اسمه مطموسًا في السجلات الرسمية، لكن إرثه بقي خالدًا.
تقول والدته فاطمة البصراوي:
“كان قلبه أكبر من كل شيء. لم يخش شيئًا إلا الله، وكان دائمًا يقول إن الوطن يستحق أن نحميه ونقدمه فوق كل اعتبار.”
وعن موقفها من تعويض الدولة بعد فقدان ابنها، تؤكد:
“جاءوا يعرضون عليّ المال مقابل طي ملف ولدي، فرددت عليهم: عاونوا بها الفقراء والمحتاجين، أنا لا أساوم على شرف ولدي. إذا كان ولدي حيًّا، فلا أحد يأخذه من طريقه، أما أنا، فلن أبيع كرامته ولو مقابل كل أموال الدنيا.”
شهادات رفاقه تحكي عن قوته وصدقه:
المعتقل السياسي السابق محمد السريفي: “كان يبتسم حتى في أشد اللحظات ظلامًا، كان مصدر قوتنا، دليلنا على أن لا شيء يمكن أن يكسر إرادة الإنسان.”
المعتقل السياسي السابق محمد الريفي: “تعلمت منه الصبر والشجاعة. مع عبد اللطيف، حتى المعاناة تتحول إلى درس في الوفاء والمبادئ.”
اليوم، ونحن نستذكر عبد اللطيف زروال في الذكرى الواحدة والخمسين لاستشهاده، مازالت عائلته ورفاقه في لجنة “كل الحقيقة حول الشهيد عبد اللطيف زروال” يطالبون بالكشف عن الحقيقة واسترجاع رفاته. ذكرى الشهيد لا تمثل مجرد اسم أو حدث، بل رحلة إنسانية وصوتًا مستمرًا في وجه الظلم، ليظل صموده وإيمانه بالحق والعدالة حيًا في قلوب كل المؤمنين بالقيم التي ناضل من أجلها.

