رسوم التوقيت الميسر: مقصلة المجانية وتكافؤ الفرص

محمد بوضيشط

أثار الاتفاق الأخير لندوة رؤساء الجامعات القاضي بتوحيد وفرض رسوم باهظة للتسجيل في مسالك الإجازة، الماستر، والدكتوراه عبر نظام التوقيت الميسر بالجامعات المغربية – والتي تصل إلى أرقام خيالية تعادل 20 ألف درهم سنويا لسلك الدكتوراه بإجمالي 80 ألف درهم، و15 ألف درهم سنويا للماستر بإجمالي 30 ألف درهم و 5 آلاف درهم سنويا لسلك الإجازة – جدلا واسعا في صفوف الطلبة والمتتبعين. وبينما تبرر وزارة التعليم العالي عبر الجامعات والكليات التي تخضع لوصايتها هذه الخطوة بكونها آلية لمنح الفرصة للطلبة المتفرغين وتمويل ميزانية البحث العلمي والاستثمار، يرى المتتبعون والفئات المتضررة من الموظفين والأجراء والمهنيين المحدودة الدخل، أنها ضربة موجعة لمبادئ المساواة والإنصاف وتكافؤ الفرص تحول رحلة العلم من الاستحقاق إلى الامتياز الطبقي.

أولا: خرق واضح للفصل 31 من الدستور ومقتضيات قانون الإطار رقم 51.17

التوجه الجديد نحو إثقال كاهل الموظفين والأجراء والمهنيين برسوم باهظة يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى دستوريته ؟ نظرا لتناقضه الصارخ مع الروح الحقوقية التي جاء بها الفصل 31 من دستور المملكة، والذي يلزم الدولة والمؤسسات العمومية بتعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من الحق في الحصول على تعليم عصري، ميسر الولوج، وجيد. هذا المبدأ الدستوري الذي كرسه سنة 2019 قانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي في المادة الثانية منه عندما نص على أنه “يقصد بالمصطلحات التالية في مدلول هذا القانون  الإطار والنصوص التي ستتخذ لتطبيقه ما يلي: – الإنصاف وتكافؤ الفرص : ضمان الحق في الولوج إلى مؤسسات التربية والتعليم والتكوين، عبر توفير مقعد بيداغوجي للجميع بنفس مواصفات الجودة والنجاعة، دون أي شكل من أشكال التمييز؛… “.

فحين تتحول قاعات المحاضرات في التعليم العالي العمومي إلى فضاءات مشروطة بالقدرة المالية للجيوب، فإن ذلك لا يشكل فقط خرقا سافرا لمبدأ تكافؤ الفرص الدستوري، بل هو تكريس للطبقية في أبهى صورها، وتحويل للحق في المعرفة من حق أساسي تضمنه الدولة لكل أبنائها بغض النظر عن وضعيتهم الاجتماعية، إلى سلعة تجارية نخبوية تباع لمن يملك الثمن وتغلق في وجه الكفاءات.

ثانيا: التوقيت الميسر يجب أن يكون اختياريا وليس إجباريا

لابد من التمييز بين المسار الأكاديمي العادي الموجه للطلبة المتفرغين والذي يجب أن يظل مجانيا أمام جميع الفئات ومكفولا من طرف الدولة لضمان تكافؤ الفرص، وبين مسار التوقيت الميسر الموجه للموظفين والأجراء والمهنيين الراغبين في ملاءمة دراستهم مع التزاماتهم المهنية. ففي التجارب الدولية الرائدة لا تعتبر هذه الرسوم ضربا لمجانية التعليم إذا كانت اختيارية وليست إجبارية، بل هي مقابل مادي لخدمات بيداغوجية وتوفر مرونة زمنية لا تتوفر في التكوين العادي. ومن هذا المنظور فإن تقنين هذه الرسوم وجعلها اختيارية يساهم في تنويع مصادر تمويل الجامعات شريطة أن تظل هذه الصيغة مرنة وموجهة لمن يختارها طواعية وليس فرضها بطريقة إلزامية، مع الحفاظ التام على المجانية لجميع الفئات سواء بالنسبة للطلبة العاديين أو بالنسبة للأجراء، الموظفين والمهنيين لضمان عدم إقصاء أي فئة من حقها الدستوري.

ثالثا: غرامات مالية ثقيلة وليست رسوم رمزية

حين تفرض الجامعات مبالغ عالية، ثابتة وموحدة دون اعتبار للتفاوتات الطبقية والاجتماعية الكبيرة، فإننا لا نكون أمام رسوم رمزية مقبولة، بل أمام غرامات مقنعة تعاقب الطموح وتكرس الإقصاء. ومن العبث والمفارقة الغريبة أن يتساوى أجير أو موظف بسيط بأجر محدود لا يتجاوز دخله الشهري 4 آلاف درهم، بموظف أو أجير يتقاضى 20 ألف درهم شهريا، في أداء نفس التكلفة الباهظة والتعجيزية!! إن هذا التسويق للمساواة الشكلية في غياب تام لمبدأ العدالة الجبائية والاجتماعية هو إجهاز حقيقي على ما تبقى من جيوب المنهكين، وتحويل لمؤسسات المعرفة من فضاءات للارتقاء الاجتماعي والعلمي إلى محاكم مالية تفاضل بين المواطنين على أساس السعة المادية وحدها، لا على أساس الاستحقاق والكفاءة.

رابعا: ضرورة ربط الرسوم بالدخل وإبرام الشراكات مع القطاعين العام والخاص

وحين نستحضر تجارب الدول المقارنة التي أقرت التوقيت الميسر بشكل اختياري، نكتشف الهوة السحيقة بين فلسفة الحكومة العرجاء في تدبير التعليم العالي وبين السياسات الرشيدة للبحث العلمي:

 ارتباط الرسوم بالدخل: في الدول الاسكندنافية مثلا ينظر إلى التعليم كاستثمار استراتيجي أساسي لا يجوز إخضاعه لمنطق العرض والطلب. وإذا وجدت رسوم للتكوين المستمر فإنها تحتسب بنسب مئوية مرنة مرتبطة بالقدرة الضريبية والدخل مع ضمان إعفاءات واسعة، بعيدا عن القرارات الفوقية الموحدة التي تساوي بين أجر زهيد وأجور عليا !!

دعم التكوين المستمر عبر الشراكات في القطاع العام والخاص: فعندما تفرض تكاليف إضافية للتكوين المستمر في أوروبا ونأخذ على سبيل المثال فرنسا وإسبانيا، فإنها غالبا ما تكون مدعومة من طرف المشغلين (المؤسسات المشغلة، صناديق التكوين المهني، أو شراكات القطاعين العام والخاص)، وليست عبئا أحاديا يلقى على كاهل الأجير البسيط المتقشف على لقمة عيشه.

خامسا: إصلاح التعليم العالي يتم برؤية واضحة ومقنعة

إن محاولة إصلاح منظومة التعليم العالي والقطع مع العشوائية والزبونية لا ينبغي أن تتخذ وسيلة للإجهاز على الحقوق الدستورية المرتبطة بالمساواة في الولوج إلى التعليم الجيد. كما إن محاربة الفساد الجامعي المالي والأخلاقي الذي ضرب سمعة الجامعة مؤخرا تكون بصرامة المعايير الأكاديمية واللجن العلمية، وليس بوضع حواجز مالية تعسفية تعاقب الطموح والكفاءة وتكافئ الثراء.

فبلادنا اليوم تراهن على مجتمع المعرفة وتنزيل أبعاد النموذج التنموي الجديد يقتضي بالضرورة تحفيز طاقات البحث العلمي وتوسيع دروب المعرفة، لا إحاطة جيل الشباب والباحثين بأسوار الإحباط واليأس.

في الختام، أرى أنه عوض اللجوء إلى إجراءات تقييدية تغلق أبواب الجامعة في وجه الطاقات والكفاءات من موظفين وأطر، كان جديرا بالحكومة والوزارة الوصية سلك مسارات بديلة تقوم على بناء شراكات حقيقية وفعالة مع القطاع الخاص كما سبقت الإشارة، أو فرض مساهمات تضامنية على المؤسسات والإدارات والمقاولات المستفيدة من خدمات أطر مؤهلة ومكونة تكوينا عاليا كما هو الأمر في الدول الأوروبية…

فاستهداف جيوب الأجراء والموظفين والمهنيين المتأثرة أصلا بلهيب الأسعار وموجات التضخم يوجه ضربة موجعة للقدرة الشرائية؛ وهي تداعيات لطالما بررتها الحكومة بتقلبات السياق الدولي والظروف الاستثنائية.

وعليه فإذا كنا فعلا نواجه هذه الظروف الاجتماعية والاقتصادية الاستثنائية التي أثرت على وضعية المواطنين حسب الحكومة، فلماذا تبحث هذه الأخيرة عن إثقال كاهل الطبقة المتوسطة ؟ هذه الطبقة التي حظيت بعناية ملكية سامية جعلت منها ركيزة الاستقرار والأساس المتين للمجتمع، حيث جاء في خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب (20 غشت 2019 بالحسيمة) ما يلي: إن المجتمع مثل البيت متكامل البنيان، أساسه المتين هو الطبقة الوسطى، بينما تشكل الطبقات الأخرى باقي مكوناته. والمغرب، ولله الحمد، بدأ خلال السنوات الأخيرة يتوفر على طبقة وسطى تشكل قوة إنتاج وعامل تماسك واستقرار. ونظرا لأهميتها في البناء المجتمعي، فإنه يتعين العمل على صيانة مقوماتها، وتوفير الظروف الملائمة لتقويتها وتوسيع قاعدتها، وفتح آفاق الترقي منها وإليها”.