بقلم: سلوى بنعمر
لم تكن فامة عدول فقط أرملة الشهيد عبد السلام أحمد الطود، الصحافي البارز في جريدة “المغرب الحر”، بل كانت هي نفسها شهيدة من نوع آخر. شهيدة الصبر، والكرامة، والانتظار الطويل الذي امتد أكثر من نصف قرن، دون أن تفقد الأمل، أو تتنازل عن كبريائها، أو تنكسر أمام ظلم دامس أطبق على حياتها منذ أن كانت شابة في مقتبل العمر.
في 12 يونيو 1956، اختُطف زوجها عبد السلام الطود بتطوان، رفقة رفيقه إبراهيم الوزاني، في واحدة من أكثر فصول التصفية السياسية بعد الاستقلال بشاعة وسرّية. كانت فامة يومها في الرابعة والعشرين، أمًا لطفلين، وحاملًا في شهرها السابع. لحظة اختطافه كانت نقطة توقف الزمن بالنسبة لها، وبداية رحلة مريرة من البحث والمعاناة.
لم تكن تعرف وقتها أن الاختفاء سيكون دائمًا، وأن صوته الذي كان يناديها من نافذة دار بريشة، حيث احتُجز لأول مرة، سيكون آخر ما تسمعه منه. كانت تتخفى بين الأشجار لتسمع همساته، قبل أن يُسحب منها إلى مكانٍ لا يُعرف، ويختفي بعدها إلى الأبد… أو هكذا قالوا.
قيل لها الكثير:
“لا يزال قيد التحقيق”…
“غالب الظن أنه حي”…
“نحن نطهّر البلاد من الخونة”…
وقيل لها أيضًا: “لا أحد يعرف مصيره إلا من اختطفه”.
ورغم كل هذه العبارات المراوغة، كانت تُمسك بخيط الأمل، فلا تنكسر ولا تستسلم.
سعت وحدها إلى فك طلاسم الغياب. زارت غفساي، سمعت شهادات، جمعت الخيوط، حكت ما تعرفه لـ هيأة الإنصاف والمصالحة سنة 2005، وأخيرًا، وبعد 54 عامًا من الانتظار، عُثر على رفات زوجها، ليُدفن بكرامة في القصر الكبير عام 2010.
لكن القصة لم تنتهِ هنا.
فامة لم تكن فقط أرملة شهيد… بل كانت رأس العائلة، وسند الأبناء، ومربيّة بثبات لا يصدق. اشتغلت معلمة بمدرسة المعلمين، وبهذا العمل أعالت أبناءها الثلاثة، ووفرت لهم كل شيء… إلا الإجابة عن سؤال: “أين أبي؟”
تقول وفاء الطود، ابنتها الصغرى:
لم نعلم أن والدنا قد اختُطف إلا بعد مرور ست سنوات. كانت والدتنا تقول لنا إنه مسافر وسيعود قريبًا، محاولةً حمايتنا من الحقيقة القاسية. لكن كل دخول مدرسي كان يتحول إلى مأساة صامتة… حين يُطلب منا كتابة اسم الأب ووظيفته، كنت أتجمد أمام الورقة، لا أدري ماذا أكتب: هل أقول “متوفى”؟ “مختطف”؟ “مجهول المصير”؟… لا كلمة كانت تكفي أو تشرح.
ومع مرور الوقت، أدركنا أن الغياب ليس هو المشكلة… بل نوع الغياب. لم يكن أبانا مجرد غائب، بل “مختطفًا” في زمن كانت تعد فيه هذه الكلمة تهمة تُلاحق الأسرة كلها. فهمنا أن المجتمع لا يغفر هذا النوع من الغياب.
. تحوّلنا إلى أسرة يُهمَس باسمها، يُتجنّب الاقتراب منها. صديقات الطفولة اختفين، والجيران بدّلوا الطريق كي لا يصافحوا أمنا أو ينظروا في عينيها.
أصبحت “تهمة الاختطاف” عبئًا اجتماعيًا تحمله فامة وأطفالها فوق أكتافهم حتى وهم لم يعوا معناها بعد.
لكنها لم تشتكِ. ولم تطلب شفقة. بل تحملت كل شيء وحدها، في صمت نبيل، وفي انتظار لم يفقد كرامته.
تقول وفاء، بحرقة:
“توقّفت حياة أمي في عمر الثالثة والعشرين. بقيت صامدة، فقط لأن قلبها ظل يقول إن زوجها سيعود. حتى عندما قال الناس: ‘الله يرحمو’، كانت تقول: ‘الله يذكرو بخير’.”
لكنها انهارت بعد اكتشاف القبر.
بدأت صحتها تتدهور، ثم دخلت في شلل ونزيف دماغي، وعاشت السنوات الأخيرة طريحة الفراش، إلى أن رحلت بهدوء.
اليوم نودّع فامة عدول، نموذجًا لنضال صامت خاضته أمهات وزوجات المختطفين والمغيبين قسرًا. لم تحمل السلاح، لكنها حملت الأمل والمسؤولية، وربّت أبناءها في ظل الغياب القاسي، دون أن تنكسر أو تتخلى عن إيمانها بعودة زوجها. بصبرها وكرامتها صنعت معنى آخر للوفاء.
سلام على فامة عدول…
سلام على أرملة الشهيد، وأمّ الأمل.

