إعتبر فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاعتقال التعسفي، “إن الحرمان من الحرية الذي تعرض له ناصر زفزافي، هو حرمان تعسفي لأنه يتعارض مع المواد 2، 3، 7، 9، 10، 11، 19، 20 و27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومع المواد 2، 9، 14، 19، 21، 22، 26 و27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”.
وأدرج الفريق في رأي أعده أخيرا، هذا الاعتقال ضمن الفئات 1 و 2 و 3 و 5، وهي الحالات التي يصنف من خلالها الفريق الخرق.
واعتبر الناشط الحقوقي سعيد حداد، في تصريح لموقع “كاب أنفو”، أن فريق العمل المعني بالاعتقال التعسفي يسلط الضوء على قضية حساسة تتعلق بالاعتقال التعسفي وانتهاك حقوق الإنسان، وذلك من خلال دراسة حالة الناشط السياسي ناصر الزفزافي.
يُظهر رأي فريق العمل وفق نفس المصدر “وجود خروقات واضحة للمعايير الدولية لحقوق الإنسان في هذه القضية، من بينها غياب مذكرة اعتقال، الحرمان من الاتصال بمحامٍ أو عائلته، والتعرض للتعذيب وسوء المعاملة”.
وأضاف أن “هذه الانتهاكات تتعارض مع الالتزامات الدولية للمغرب بموجب الاتفاقيات التي صادق عليها، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب. كما تُثير القضية تساؤلات حول نزاهة النظام القضائي المغربي وقدرته على توفير محاكمات عادلة، خاصة في القضايا ذات الطابع السياسي”.

طلب الإفراج والتعويض
وطالب فريق العمل من الحكومة المغربية “اتخاذ التدابير اللازمة لتصحيح الوضع الحالي للزفزافي دون تأخير، وجعل الوضع متوافقًا مع المعايير الدولية السارية، ولا سيما تلك المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي”.
وأبرز الفريق من خلال رأيه أنه “يعتقد بالنظر إلى جميع الظروف المتعلقة بالقضية، فإن الإجراء المناسب يتمثل في الإفراج الفوري عن الزفزافي ومنحه الحق في الحصول على تعويض، بما في ذلك من خلال تعويض مالي، وفقًا للقانون الدولي”.
كما طالب من الحكومة “بضمان إجراء تحقيق شامل ومستقل في ملابسات الحرمان التعسفي من الحرية لناصر الزفزافي، واتخاذ التدابير اللازمة ضد المسؤولين عن انتهاك حقوقه”.
واعتبر الناشط الحقوقي سعيد حداد أن توصيات فريق العمل، “مثل الإفراج الفوري عن الزفزافي وتعويضه وإجراء تحقيق مستقل، تعكس الحاجة إلى إصلاحات جذرية في النظام القانوني والقضائي المغربي لضمان احترام حقوق الإنسان ومنع تكرار مثل هذه الانتهاكات”.
كما أن دعوة الفريق لتعديل القوانين والممارسات المغربية لتتماشى مع المعايير الدولية، تعدّ وفق نفس المصدر “خطوة ضرورية لتعزيز دولة القانون والالتزام بحقوق الإنسان”.
وختم تصريحه بالتأكيد على أن “تنفيذ هذه التوصيات ليس فقط مسؤولية قانونية، بل هو أيضًا اختبار لجدية المغرب في تعزيز صورته كدولة تحترم حقوق الإنسان على الصعيدين الوطني والدولي”.
حالات
وفق الرأي يرى فريق العمل أن الحرمان من الحرية يكون تعسفيًا في الحالات التالية:
أ) عندما يكون من المستحيل من الناحية القانونية تبرير الحرمان من الحرية (كما في حالة احتجاز شخص بعد أن قضى عقوبته أو رغم اعتماد قانون عفو ينطبق عليه) (الفئة الأولى).
ب) عندما يكون الحرمان من الحرية نتيجة لممارسة حقوق أو حريات مكفولة بموجب المواد 7، 13، 14، 18، 19، 20، و21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وبالنسبة للدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بموجب المواد 12، 18، 19، 21، 22، 25، 26، و27 من هذا العهد (الفئة الثانية).
ج) عندما يؤدي عدم الامتثال الكامل أو الجزئي للمعايير الدولية المتعلقة بالحق في محاكمة عادلة، كما هو منصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي الأدوات الدولية ذات الصلة التي اعتمدتها الدول المعنية، إلى درجة تجعل الحرمان من الحرية تعسفيًا (الفئة الثالثة).
د) عندما يُحتجز طالب لجوء أو مهاجر أو لاجئ في احتجاز إداري مطول دون إمكانية للمراجعة أو الطعن الإداري أو القضائي (الفئة الرابعة).
هـ) عندما يشكل الحرمان من الحرية انتهاكًا للقانون الدولي بسبب تمييز يستند إلى الولادة، الأصل الوطني، العرقي أو الاجتماعي، اللغة، الدين، الوضع الاقتصادي، الرأي السياسي أو غيره، الجنس، التوجه الجنسي، الإعاقة أو أي وضع آخر قد يؤدي إلى عدم احترام مبدأ المساواة بين البشر (الفئة الخامسة).
ملف الحراك يعود إلى الواجهة
بالنسبة للناشط الحقوقي الأمازيغي، خميس بوتكمانت، فالقرار/الرأي رقم43/2024 “يعيد للواجهة ملف حراك الريف بعد إهماله على المستوى الداخلي ولم يعد انشغالا ذو أولوية لدى السلطات وفق تقديري في السنتين الأخيرتين”.
وأضاف في تصريح لموقع “كاب أنفو”، أنه “ورغم تأخر بث مجلس حقوق الانسان للامم المتحدة في ملف معتقلي حراك الريف وعلى رأسهم ناصر الزفزافي، فأن يأتي هذا القرار متأخرا خير من أن لا يأتي أبدا”.
وزاد الناشط الحقوقي أنه “من المؤكد أن الحكومة المغربية ستتفاعل مع الرأي وفق تقديراتها وأتمنى أن يكون تفاعلها مبنيا على إرادة حقيقية لطي هذا الملف الذي إمتد زمنيا ولا تزال تداعياته تؤثر على الريف ومجاله وأهله”.
واعتبر بوتكمانت أن “تنصيص الرأي على كون محاكمة ناصر الزفزافي غير عادلة وترتبت عن خرق شروط الاعتقال كما تنص عليه المواثيق الدولية، هو رأي محرج للسلطات إذ يجعل كل ما ترتب عن المحاكمة محكوم بالبطلان”.

مبعث أمل
بالرغم مما يثيره الرأي من “احراج” للسلطات المغربية، فإن ذلك في نفس الوقت مبعث أمل لطي هذا الملف بشكل نهائي.
ويقول بوتكمانت في هذا الإطار “حسب تقديري فأنا متفائل بالمستقبل لعله يحمل بين ثناياه حلا وطيا لهذا الملف الثقيل، إذ من المعلوم أن مباشرة الفريق الأممي لتحقيقاته كان بعد موافقة السلطات المغربية كما هو معلوم عن شكليات الفريق، وما دامت السلطات لم تمنع عمل الفريق فمن بين السيناريوهات هو وجود رغبة ضمنية لاعادة النظر في الملف أو بالأحرى ايجاد منفذ أو مبرر لفعل ذلك”.
وأضاف “سننتظر قادم الأيام ولاسيما المهلة المحددة للسلطات لتقديم تفسيراتها الحجاجية المحددة في ستة أشهر، لنرى المسار القادم والمنعرج الذي سيمضي فيه هذا الملف وخصوصا وهو يتزامن مع ترأس المغرب لمجلس حقوق الإنسان”.
من جهة ثانية، يقول بوتكمانت “فالرأي/القرار هو اضافة اخرى تعزز براءة معتقلي حراك الريف وتعضد الرأي القائل أن محاكتهم سياسية، فمن المؤكد أن الفريق الأممي الذي يتضمن نخبة الخبراء القانونيين الدوليين سيكون للرأي الذي توصلوا له والداعي إلى إطلاق سراح الزفزافي وتعويضه، تأثيرا وتداعيات ستظهر في الشهور القادمة”.
إجراءات المتابعة
تحت عنوان “إجراءات المتابعة”، نص الرأي أنه وفقًا للفقرة 20 من طرق عمله، يطلب فريق العمل من الحكومة المغربية، إبلاغه بما تم اتخاذه من إجراءات بناءً على التوصيات الواردة في هذا الرأي.
وخاصة إعلامه “إذا كان قد تم الإفراج عن الزفزافي، وإذا كان الأمر كذلك، في أي تاريخ؛ و إذا كان الزفزافي قد حصل على تعويض، بما في ذلك التعويض المالي، و إذا كان قد تم إجراء تحقيق في انتهاك حقوق الزفزافي، وإذا كان الأمر كذلك، ما هي نتائج التحقيق”.
وطلب فريق العمل من من الحكومة “تزويده بالمعلومات المطلوبة في غضون ستة أشهر من تاريخ إرسال الإشعار”.
وأضاف أنه “مع ذلك، يحتفظ بحقه في اتخاذ تدابير متابعة إذا تم لفت انتباهه إلى معلومات جديدة مقلقة تتعلق بالقضية. سيمكنه ذلك من إبلاغ مجلس حقوق الإنسان بما إذا كانت هناك تقدمات في تنفيذ توصياته أو إذا لم يتم اتخاذ أي إجراءات في هذا الصدد”.
وذكر في هذا الإطار “بأن مجلس حقوق الإنسان دعا جميع الدول إلى التعاون معه وطلب منها أن تأخذ بعين الاعتبار آراءه، وأن تقوم بما يلزم لمعالجة وضع جميع الأشخاص المحرومين تعسفًا من حريتهم، وأن تبينه الإجراءات المتخذة في هذا الشأن”.
رد الحكومة على “الإدعاءات”
في 28 فبراير 2024، أرسل فريق العمل إلى الحكومة رسالة تطلب فيها تزويده بمعلومات مفصلة حول الزفزافي، مع تحديد موعد أقصى لتقديم هذه المعلومات في 29 أبريل 2024، وطلب منها ضمان سلامته الجسدية والعقلية.
ويورد نص الرأي، أنه ووفقاً للفقرة 16 من طرق العمل الخاصة بفريق العمل، طلبت الحكومة تمديداً للموعد، والذي تم منحه لها حتى 29 مايو 2024.
في ردها بتاريخ 29 مايو 2024، رفضت الحكومة الادعاءات الواردة، و أكدت أن “الآليات الدولية لحقوق الإنسان يتم استغلالها لأغراض سياسية”.
وأوضحت الحكومة ضمن جملة من الدفعات التي قدمتها “أنه في عام 2016، أدى مقتل صياد إلى اندلاع مظاهرات عامة بدأت سلمية في مدينة الحسيمة والمدن المجاورة. وارتفعت وتيرة العنف في 26 مارس 2017، عندما قام أفراد ملثمون بإحراق مبنى كان يضم قوات الأمن. استمرت المظاهرات بشكل عنيف، وأُصيب 589 من أفراد الأمن، وأحرقت عدة سيارات شرطة”.
وفقاً للحكومة، يورد نص الرأي “خلصت التحقيقات إلى أن الزفزافي كان متورطاً في أنشطة تهدف إلى المساس بالوحدة الترابية، وذلك من خلال تنسيق مع انفصاليين في الخارج لتنفيذ أعمال تهدف إلى فصل منطقة الريف عن باقي التراب الوطني، والتحريض على المشاركة في ذلك”.
و أن الزفزافي استغل مطالب سكان الحسيمة من خلال تنظيم مظاهرات غير مرخصة، وممارسة أعمال تخريب، وتشويه السمعة، وحرق الممتلكات العامة والخاصة، والعصيان، والمقاومة، والعنف ضد قوات الأمن”.
كما كشفت التحليلات للاتصالات والرسائل في هواتف الزفزافي أنه “كان يدير شبكة سرية تدعو إلى انفصال منطقة الريف وتروّج لعلمها. بالإضافة إلى ذلك، تكشف التسجيلات أن أعضاء الشبكة تلقوا أموالاً من كيانات أجنبية”.
وفقًا للحكومة، في 26 مايو 2017، “قام الزفزافي بتعمد تعطيل الصلاة من خلال الإدلاء بتصريحات تحرض على الكراهية ومخالفة لقواعد احترام أماكن العبادة”. وعندما حضرت الشرطة لإلقاء القبض عليه بناءً على أمر من المحكمة الابتدائية، “أفاد أنه تحصن على سطح منزله وطلب مساعدة أنصاره الذين هاجموا السلطات وتسببوا في أضرار بشرية ومادية تتفاوت في شدتها”.
وبما أن الزفزافي قد فرَّ، وفق نفس المصدر “فقد تم القبض عليه في 29 مايو 2017، إلى جانب أفراد آخرين. وتم نقلهم جميعًا إلى مقر مديرية الشرطة القضائية الوطنية في الدار البيضاء”. وتؤكد الحكومة أنه “تم إصدار أمر بالقبض عليه من قبل السلطة القضائية المختصة”.

