هدم آخر ما تبقى من ثكنة الريفيين بعد قرن من الزمن.. خسارة للذاكرة التاريخية للمقاومة

أثار هدم ما تبقى من ثكنة الريفيين في ضواحي مدينة الفنيدق، نقاشا عميقا يتجاوز مجرد إزالة بناء متهالك، ليمس جوهر الذاكرة التاريخية لشمال المغرب، فهذا الموقع الذي شيده الاستعمار الإسباني في عشرينيات القرن الماضي ليكون معقلا لـ “الفيلق الأجنبي/الليخيون”، لم يكن مجرد بناية عسكرية عابرة، بل كان شاهدا ماديا على حقبة المواجهات العنيفة بين قوات المقاومة الريفية بقيادة الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي والجيوش الاستعمارية.

ومع استقلال المغرب تحولت الثكنة إلى بناية مهجورة، وبدأت عوامل الزمن تنال من جدرانها التي كانت تمزج في هندستها بين الصرامة العسكرية والجماليات الأندلسية، حتى أصبحت اليوم موضوعا لجدلية كبرى، فبينما يرى البعض في هدمها ضرورة ملحة تفرضها معايير السلامة العامة وتوسع المشاريع العمرانية والسياحية في المنطقة، يعتبرها آخرون خسارة لجزء من الهوية البصرية والتاريخية للمنطقة.

وغياب التصنيف الرسمي لهذه المعالم كإرث وطني محمي يجعلها عرضة للزوال أمام متطلبات التنمية المعاصرة، مما يطرح تساؤلا جوهريا حول كيفية الموازنة بين الضرورة العمرانية والحفاظ على الآثار التي توثق لمراحل مفصلية من تاريخ البلاد، إذ تظل الحجارة في نهاية المطاف لغة صامتة تحكي قصص من مروا من هنا، وتحفظ تفاصيل زمن ولى بآلامه وآماله.

وقال في هذا الصدد الأستاذ عبد المجيد عزوزي، عضو جمعية ذاكرة الريف، في تصريح لإذاعة “كاب راديو” وموقع “كاب انفو”، بأن الهدم الأخير لثكنة تاريخية مهمة يشكل خسارة كبيرة للذاكرة التاريخية للمنطقة.

وأوضح عزوزي أن الثكنة، التي ارتبطت بالاستعمار الإسباني وبوحدة الجيش الإسباني الشهيرة “التيرسيو” أو “اللفيف الأجنبي”، بدأ بناؤها في 1923 واكتمل في 1927، بتدشين من الملك ألفونسو 13، وكان أول مدير لها فرانسيسكو فرانكو بعد إصابة مؤسس الوحدة ميان أستراي خلال المقاومة الريفية.

وأضاف أن الثكنة تقع على بعد 7 كيلومترات من الفنيدق و20 كيلومترا من تطوان، و10 كيلومترات تقريبا من سبتة، وتعد بمثابة قرية صغيرة متكاملة، تضم مرافق صحية، مراقد، مطاعم، قاعات اجتماعات، ميادين تدريب وإسطبلات. كما استخدمت لتصوير شريط سينمائي حول التيرسيو الإسباني بعنوان “لابانديرا”.

وأشار عزوزي إلى أن الثكنة انتقلت للجيش الملكي المغربي في فبراير 1961، قبل أن تتحول مع مرور الوقت إلى خراب، ليتم هدمها مؤخرا بشكل نهائي، معبرا عن أسفه لعدم استغلال مثل هذه المآثر التاريخية كمواقع للتراث والسياحة والأنشطة الثقافية.

عمر لمعلم