ضجت منصتا “تيك توك” و”إكس” (تويتر سابقا) بموجة من المنشورات المقلقة، حصد بعضها ملايين المشاهدات، تحمل رسالة صادمة: “الأمر رسمي، منظمة الصحة العالمية أعلنت أن حبوب منع الحمل ضارة مثل التبغ والكحول!”.
تتناقل المستخدمات هذه المعلومة مصحوبة بتحذيرات من “تسميم أجسادهن يوميا”، وزيادة مزعومة في خطر الإصابة بالسرطان بنسب تصل إلى 30%. فما حقيقة هذه الادعاءات التي تثير الهلع، وهل يجب على ملايين النساء حول العالم القلق حقا؟ نتعرف على التفاصيل من فحوى تقرير صحافي أوردته “franceinfo”
تصنيف علمي أسيء فهمه
في قلب هذه الشائعة يكمن جزء من الحقيقة، لكنه قدم خارج سياقه بالكامل. بالفعل، قام المركز الدولي لأبحاث السرطان (IARC)، وهو وكالة تابعة لمنظمة الصحة العالمية، بتصنيف بعض أنواع موانع الحمل الفموية ضمن “المجموعة الأولى” من المواد المسرطنة منذ أكثر من 20 عاما. وهذه المجموعة تضم بالفعل مواد مثل التبغ، الكحول، والأسبستوس (الأميانت).
لكن هنا تكمن نقطة الخلل الجوهرية في الفهم. هذا التصنيف لا يقيس درجة الخطورة، بل يقيس مستوى اليقين العلمي بوجود علاقة سببية. بعبارة أخرى، تصنيف “المجموعة الأولى” يعني أن هناك “أدلة كافية” لإثبات أن المادة يمكن أن تسبب السرطان لدى البشر. وهذا لا يعني إطلاقا أن خطورة تناول حبة منع حمل تعادل خطورة تدخين سيجارة أو التعرض للأسبستوس. فوضع مكونين في نفس القائمة لا يجعلهما متساويين في درجة الضرر.
علاوة على ذلك، لا ينطبق هذا التصنيف على جميع أنواع حبوب منع الحمل، بل يقتصر على الحبوب “المركبة” التي تحتوي على هرموني الإستروجين والبروجيستيرون معا، وهي الأكثر شيوعا. أما الحبوب المصغرة (Microdosées) التي تحتوي على البروجيستيرون فقط، فهي غير مشمولة بهذا التصنيف.
زيادة خطر سرطان الثدي: قراءة الأرقام في سياقها الصحيح
تستند المنشورات المتداولة إلى دراسات حديثة، مثل تلك التي نشرتها مجلة Plos Medicine عام 2023، والتي أشارت إلى أن حبوب منع الحمل قد تزيد من خطر الإصابة بسرطان الثدي بنسبة تتراوح بين 20% و30%. تبدو هذه النسبة ضخمة ومخيفة للوهلة الأولى.
لكن الخبراء يدعون إلى وضعها في منظورها الصحيح. توضح جيليان ريفز، الأستاذة بجامعة أوكسفورد وأحد المشاركين في الدراسة، أن هذه الزيادة تبقى “ضئيلة جدا من حيث الخطر المطلق”. فالأمر يتعلق بزيادة نسبية لخطر هو في الأصل منخفض.
للتوضيح: تصاب امرأة واحدة من كل تسع بسرطان الثدي خلال حياتها، أي أن الخطر العام يبلغ حوالي 11%. إذا أضفنا زيادة نظرية بنسبة 30% بسبب الحبوب، فإن الخطر المطلق يرتفع من 11% إلى حوالي 14%. إنها زيادة، ولكنها ليست القفزة الهائلة التي توحي بها الشائعات.
والأهم من ذلك، يذكر الخبراء بأن حبوب منع الحمل ليست من بين عوامل الخطر الرئيسية لسرطان الثدي. فالكحول، والسمنة، وقلة النشاط البدني، والحمل المتأخر، وتراجع معدلات الرضاعة الطبيعية، تشكل جميعها عوامل خطر أكبر بكثير.
الوجه الآخر للعملة
ما تتجاهله الشائعات تماما هو أن لحبوب منع الحمل تأثيرات وقائية مثبتة علميا ضد أنواع أخرى من السرطانات. فقد أظهرت دراسات متعددة أن تناولها يقلل من خطر الإصابة بسرطان بطانة الرحم وسرطان المبيض بنسبة تصل إلى 50%، ويقلل من خطر سرطان القولون والمستقيم بنسبة 20%.
وإلى جانب دورها الأساسي في منع الحمل، تقدم الحبوب فوائد صحية أخرى لا يمكن إغفالها:
- تخفيف الآلام المصاحبة لمرض بطانة الرحم المهاجرة (Endometriosis).
- الحد من النزيف الحيضي الغزير، الذي قد يسبب فقر الدم.
- تحسين حالات حب الشباب والشعرانية الزائدة.
- تقليل خطر الإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي.
بل إن دور وسائل منع الحمل يتجاوز ذلك، حيث تشير الدراسات إلى أنها ساهمت في إنقاذ حياة مئات الآلاف من الأمهات عبر تجنب وفيات مرتبطة بالحمل والولادة.

