عندما قال الحكيم.. عمل حكومي مثل هذا انجزه لوحدي!

يحكى أن شخصا في إحدى مدن الشمال، كان له طقس يومي خاص، عرف به على مدار عقود.

هو عند الذين يعرفونه حق المعرفة رجل حكيم، وعند الذين لا يعرفونه مجرد “مجنون”، لكن طقسه ذلك جعل منه شخصا فريدا، وإلى اليوم مازالت تفاصيله متقدة في ذاكرة من عاصره.

يتمثل ذلك في انتظاره كل صباح الحافلة القادمة من فاس على مشارف المدينة، قبل أن يوقفها ويصعد، عند بلوغها منتهاها في المحطة، يطلب من مساعد السائق كما العادة فتح باب واحد للقيام بما يشبه “الكونترول”. منتقيا المتسولين القاصدين المدينة من بين الركاب و بعد أن تفرغ الحافلة من مسافريها يكون قد عزل بعضهم، يصطحبهم معه إلى المقهى التي يرتادها ويسألهم تباعا: هل تودون ارتشاف مشروب؟ فيجيبون بنعم، ويطلب لهم المشروب، وبالطبع على حسابه، ثم يسألهم إن كانوا جائعين، و يأتي لهم بالحلوة الاسبانية انذاك (مدلين) ولا يكتمل الطقس اليومي دون أن يجلب للمدخنين منهم سجارة “كازا”.

بعد أن يفرغوا من قهوتهم وحلوياتهم الاسبانية وسجارتهم ينطلق “الحكيم” يسألهم من جديد السؤال الجامع المانع: هل تملكون كل هذا في فاس؟

و بالطبع يجيبون بنعم، كيف لا وفاس يتوفر فيها ما لا يتوفر في أي مدينة في الشمال حينها.

وما أن يجيبوه الجواب البديهي، حتى يطلق العنان لسؤاله الاستنكاري: وما الذي جيئ بكم إلى هنا؟

وقبل أن يرتد إليهم بصرهم يكون قد حسم أمرهم وقرر تحت “سطوته”، إعادتهم على نفس الحافلة.

و يعمل جاهدا على ضمان مرافقتهم من جديد وهذه المرة في الاتجاه المعاكس وبعد وصول الحافلة خارج المدينة يعود أدراجه على الأقدام ويأخذ مكانه في نفس المقهى قبل أن ينفث دخان سيجارة كازا، ويتبعها بعبارته الشهيرة: “انجاز حكومي مثل هذا انجزه لوحدي؟”

الحكمة من قصة “الحكيم/ المجنون”، أن واقعنا اليوم شبيه لواقع العقود الغابرة او اكثر ، عندما لم يكن للحكومة أي دور يذكر.

ونحن نستعرض كل ما نعيشه، نطرح السؤال التالي: هل نعيش واقعا بدون حكومة ؟

الواقع أننا عندما نشاهد الآلاف من الشبان واليافعين يسابقون الزمن والقوات العمومية من أجل الظفر بفرصة حياة في الضفة الأخرى، رغم كل المخاطر المحدقة بهم. وعندما نشاهد كيف يهدر “مشروع الطبيب المغربي”، على يد “زرواطة” المخازنية. و نشهد على قدر الناس من أمثال عمي حدو ومن يحيا نفس الأوضاع في المغرب العميق، والمتسم (القدر) بالقسوة حتى عند نزول الغيث بعد سنوات عجاف! ندرك فعلا أن طيف حكمة الرجل لازال يحلق في سماء المملكة!

وعندما يستيقظ المغربي على وقع غلاء فاحش في أسعار المواد الاستهلاكية، يفرضه المضاربون والسماسرة أمام عجز حكومي منقطع النظير. وعندما نستحضر مؤشرات التمييز ضد النساء في جميع المستويات، و استمرار نزيف الهدر المدرسي و مشاهد الطفولة الضائعة في الإشارات الضوئية في الشوارع والازقة، و استمرار احتجاجات الطلبة على أبسط الحقوق والتي ظلوا يحتجون لتحقيقها لعقود، عندما نتابع ونستحضر كل هذا وأكثر منه ندرك فعلا أن حكمة الرجل صالحة لزمانه وزماننا، إذ أن المغاربة كلهم بإمكانهم انجاز ما تنجزه الحكومة .