قرر المغرب في العام 2004، إحداث منتزه وطني جديد، بشمال المملكة، وبالتحديد بإقليم الحسيمة، تحت إسم المنتزه الوطني للحسيمة.
هذه المرة كان المجال المحدد مختلفا. مجال يجمع بين البر والبحر، وهي ميزة تميزه عن باقي المنتزهات الوطنية الأخرى.
الواقع أن المجال البحري هو الذي دفع في اتجاه إحداث هذا المنتزه الذي يمتد على مساحة بحرية وبرية تقدر بأكثر من 48 ألف هكتار. منها 19 ألف هكتار منطقة بحرية، وهي أكبر منطقة محمية في الساحل المتوسطي للمغرب.
ومنتزه الحسيمة هو الوحيد في المغرب المطل على ساحل البحر المتوسط ويتألف من عدة جزر وصخور ضخمة .
على مستوى دول حوض البحر الأبيض المتوسط يحتل المغرب المرتبة الثانية بعد منطقة الأناضول بتركيا من حيث التنوع الحيوي، حسب أطلس (دليل) المنتزه الوطني للحسيمة الذي أعده الاتحاد العالمي للطبيعة.
وحسب الدليل، فانه لهذا السبب عملت وكالة المياه والغابات (المندوبية السامية للمياه والغابات سابقا)، على وضع استراتيجية وطنية للحفاظ على الحيوانات والنباتات في المغرب. وقد تمكنت هذه الهيئة من التعريف بـ150 من المواقع ذات الاهمية البيولوجية والايكولوجية و 10 منتزهات وطنية، من ضمنها المنتزه الوطني للحسيمة.
المنتزه الوطني للحسيمة و اتفاقية برشلونة
حسب المختصين فإن نشأة المنتزه الوطني للحسيمة، كانت نتيجة للانخراط في اتفاقية برشلونة المتعلقة بحماية البيئة البحرية والمنطقة الساحلية للبحر الأبيض المتوسط، المعتمدة في 16 فبراير 1976.
و وفق نفس المصدر فإن أحد البروتوكولات الملحقة بالاتفاقية كانت تنص على أن الدول الموقعة على الاتفاقية يقع على عاتقها اختيار مجال ساحلي لوضعه تحت الحماية.
و أن الدراسات التي أنجزت بداية من الثمانينات، على طول الساحل المتوسطي للمغرب الممتد على مسافة 500 كلم، أفضت إلى أن المنطقة بين شواطئ مدينة الحسيمة وحتى منطقة كلايريس التابعة لاقليم الحسيمة، هي الأكثر أهمية من الناحية البيئية و الأجدر بالحماية.
بعد ذلك وفي عام 2019 صنفت السواحل التابعة للمنتزه مناطق رطبة في إطار اتفاقية “رامسار” (معاهدة دولية للحفاظ والاستخدام المستدام للمناطق الرطبة).

التنوع البيولوجي
أحصت جمعية “مجموعة دراسة الطيور والدفاع عن بيئتها بالريف الأوسط”، 163 نوعا من الطيور بالمنتزه الوطني للحسيمة.
وفق دليل التنوع البيولوجي في المنتزه، يحتضن المنتزه، أهم تجمع للسرنوف العركي أو العقاب السماك، على مستوى الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.
هذا الطائر المهدد بالانقراض والمدرج بالقائمة الحمراء للاتحاد العالمي للطبيعة، من الكواسر النهارية يعيش في الأجراف المطلة على البحر، يصطاد الأسماك الحية السطحية بمخالبه القوية.
إلى جانب العقاب السماك يحصي الدليل عدد من الصقور والعقبان الاخرى المعششة في الاجراف الشاهقة، من ذلك صقر شاهين، والعقاب الأبيض، والعقاب المسرول.
ويعتبر المجال البحري للمنتزه الوطني للحسيمة، وفق المعطيات المتوفرة بيئة ملائمة لثلاثة أنواع من الدلافين، وكان أيضا مجالا للفقمة، غير أن الفقمة لم يتم رصدها منذ ثمانينات القرن الماضي، وهي غادرت موائلها على الأرجح بسبب الإزعاج البشري ونقص الأسماك.
المرجان الأحمر، والسلاحف البحرية، من الكائنات أيضا التي يحفل بها المجال البحري للمنتزه.
الجانب البري للمنتزه، يتميز بغطاء نباتي هو نتاج المناخ المتوسطي شبه الجاف، حيث تنتشر أشجار العرعار و الزيتون البري و الخروب، و النبتات الشجرية و الدوم الذي يدخله السكان المحليون في صناعة أدواتهم التقليدية.
يتميز المجال أيضا بتكاثر العديد من الثدييات، من إبن آوى إلى الخنزير البري و الزريقاء، مرورا بالزواحف و الثعابين التي حدد منها 7 أصناف تعيش بين ثنايا هذا المجال الجغرافي الفسيح، دون ذكر الكائنات الاخرى الدقيقة.

المنتزه الوطني للحسيمة و تحديات الزوال
يدرك الباحثون المغاربة، كما باقي النشطاء الذين ينشطون في عدة جمعيات متكتلة في تجمع يدعى “تكتل الجمعيات العاملة بالمنتزه الوطني للحسيمة”، أن أكبر تهديد يواجهه المنتزه هو النشاط البشري الذي ينمو بشكل مستمر.
هناك رهان جد معقد، يكمن في التوفيق بين هشاشة الساكنة، وحماية مجال المنتزه.
نحو 15 ألف نسمة تعيش في المجال المحدد للمنتزه، وضع كفيل بإعمال التدابير الكفيلة بالحفاظ على المنتزع و تنوعه البيولوجي.
و بالرغم من صدور قانون يهم المناطق المحمية في العام 2010، غير أن الملاحظ لا يتم إرفاق الإعلان عن تحديد بعض المناطق المحمية بقواعد لتدبير المجال لضمان غناه البيولوجي و أسباب قيامه.
غياب تدبير المجال، قد يؤدي في النهاية إلى اندثار الموروث الثقافي والطبيعي داخل المنتزه.

