الحديث المعروف الذى يذكر به المصلين يوم الجمعة قبل ان يشرع الخطيب في ألقاء خطبته هو منسوب لأبي هريرة أن رسول الله “صلى الله عليه وسلم” قال: “إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب، فقد لغوت” (رواه البخاري ومسلم). ويستكمل بحديث آخر “فمن لغى فلا جمعة له”، ورد في روايات أخرى تتحدث عن مفهوم اللغو أثناء الخطبة، منها ما رواه أبو داود والترمذي في سننهما: “ومن لغى فلا جمعة له” وهو حديث حسن عند بعض العلماء وضعيف عند آخرين.
إن هذان الحديثان الذان ينسبان إلى النبي، ويأمر بالصمت المطلق أثناء خطبة الجمعة إلى درجة تحريم مجرد تنبيه الآخر للإنصات، ليس سوى أحد الأدوات الإيديولوجية التي تم تسخيرها عبر التاريخ لتكريس ثقافة الطاعة وإلغاء العقل النقدي. فالجوهر العميق لهذا التوجيه ليس مجرد تنظيم شكلي لصلاة الجمعة، بل هو امتداد لمنظومة أوسع تسعى إلى قولبة العقول وجعلها قابلة لاستقبال الأوامر دون اعتراض أو مراجعة.
إن الحديث لا يقف عند حدود منع الكلام، بل يتجاوزه إلى إرساء مبدأ خطير: أي كلمة خارج الخطاب الرسمي، ولو كانت دعوة للإنصات، تعتبر “لغواً”، أي عبثاً لا قيمة له. هذه البنية اللغوية تكشف عن طبيعة الإخضاع الرمزي الذي تمارسه المؤسسة الدينية، حيث يتحول الصمت من سلوك تنظيمي إلى ممارسة قمعية تفرض على الجماهير الشعبية، وتجعل من الخطيب سلطة فوق المساءلة، يتحدث باسم الله ويُلزم الجميع بالاستماع والطاعة. بل إن نهاية الحديث بالمقولة الطقوسية “انصتوا رحمكم الله، انصتوا واستمعوا وأطيعوا يغفر لي ولكم الله” ليست سوى محاولة لتغليف الأمر الإكراهي بغلاف ديني يُضفي عليه شرعية مطلقة، فيصبح عدم الطاعة ليس مجرد مخالفة بشرية، بل خروجاً عن الدين نفسه.
الفكر النقدي هو المؤهل لتفكيك بنية هذا الخطاب، فلا يمكن التعامل مع هذه المسألة بسطحية أو كجدل لاهوتي عقيم حول صحة الحديث من عدمها. فالمسألة هنا ليست هل قال النبي ذلك حقاً أم لا، بل لماذا يحتاج النظام السائد إلى تكريس هذا النوع من الأحاديث؟ ولماذا يتم ترسيخ ثقافة “الاستماع والطاعة” في المجال الديني بنفس الكيفية التي تُمارس بها في المجال السياسي؟
إن تحليل هذا الحديث في سياقه التاريخي يكشف عن ترابط وثيق بين المنبر والسلطة، فحين كانت الأنظمة الاستبدادية تبحث عن أدوات لضبط الجماهير، وجدت في الخطاب الديني ضالتها، وتحالف الفقهاء مع الحكام لصياغة منظومة كاملة تجعل الطاعة فضيلة دينية، والاعتراض رجساً من عمل الشيطان. وهكذا تحولت المساجد إلى فضاءات لإنتاج وعي زائف، يُلقّن فيه الشعب أيديولوجيا الخضوع، ويُبرر فيها الفقر والظلم والطبقية باعتبارها “حكمة إلهية”.
إن هذا الحديث وأمثاله ليس مجرد نصوص بريئة تعبر عن آداب السلوك داخل المسجد، بل هو جزء من منظومة سلطوية متكاملة تعمل على تفكيك أي نزوع تحرري داخل الوعي الشعبي. فكما يُطلب من المصلين الإنصات أثناء الخطبة، يُطلب من المواطنين الخضوع لقرارات الحكام، وكما يُحرم على المصلين مناقشة ما يقوله الخطيب، يُجرَّم على الشعوب مساءلة النظام، وكما يُعتبر من يتكلم أثناء الخطبة “لغواً”، يُعتبر كل معارض سياسي “مشاغباً” أو “مثيراً للفتنة”. هذه البنية الدلالية المشتركة بين الدين والسياسة ليست مصادفة، بل هي نتاج تاريخ طويل من التواطؤ بين السلطتين، حيث تم بناء جهاز إيديولوجي يجعل الجماهير تقبل قمعها بنفس الرضا الذي تقبل به الصمت أثناء خطبة الجمعة.
إن مقاومة هذا المنطق ليست مجرد معركة فكرية، بل هي معركة سياسية بامتياز. إذ لا يمكن لأي مشروع تحرري أن ينجح دون تفكيك هذه الثقافة النقلية التي تجعل الناس يصدقون دون مناقشة، ويطيعون دون تفكير. فالخطيب الذي يُفرض على الناس الصمت أمامه، هو نفسه الذي يمرر خطابات تبرير الاستبداد، وهو الذي يكرس عقلية “ولي الأمر”، وهو الذي يُدين الاحتجاجات باعتبارها خروجاً على الطاعة. إن تفكيك هذه المنظومة يبدأ برفض أي خطاب يفرض الطاعة العمياء، سواء كان باسم الدين أو باسم أي سلطة أخرى. فلا يمكن لشعب يسكت أمام الخطيب أن يكون قادراً على مساءلة الحاكم، ولا يمكن لعقل يقبل التسليم داخل المسجد أن يكون قادراً على الثورة خارجه. لهذا فإن هذه المعركة ليست معركة ضد حديث بعينه، بل هي مواجهة شاملة مع كل الخطابات التي تحاول تدجين الوعي وتطويعه لخدمة أنظمة القهر والاستغلال.
تقبل الله صيامكم
الحسيمة 2 مارس 2025
ابو علي بلمزيان

