دعونا أولا ننهي سريعا الجدل حول الضرر الذي لحق وسيلحق بالكساب جراء قرار تعليق نحر أضحية العيد هذه السنة.
هناك سردية يسوقها اليوم البعض في علاقة بهذا الموضوع، مفادها أن الكساب تضرر ضررا شديدا، و عوض أن يفرح المغاربة للقرار الذي يحفظ ماء وجههم، يجب أن يحزنوا لحزن الكساب.
لكن عن أي كساب أو فلاح يتحدث هؤلاء، هل عن الكساب الذي كان يحيا من الكسب والرعي في النجود العليا وجبال الأطلس، أم الكساب الذي تحول إلى تاجر كبير يستثمر الملايين قبيل عيد الأضحى، و يحتكم إلى قواعد التجارة السائدة في باقي المواد الاستهلاكية الخاضعة لمنطق السوق ومنطق المضاربة وغيرها؟
أما الأول فان الضرر أنهكه قبل سبع سنوات أو يزيد، عندما كان يطلق صرخاته من الهضاب العليا ومن تمحضيت في الأطلس، ولم يجد أذانا صاغية، تواجه معه تقلبات المناخ وغياب الدعم، قبل أن يطوي الخيمة ويبيع ما تبقى من شياه في أقرب سوق أسبوعي، وينتقل مع أطفاله إلى هوامش الحواضر المهمشة.
ورغم ذلك، لا يمكن نفي أن هناك ممن قبضوا طوال هذه المدة على جبر الكسب الحقيقي، وهؤلاء يجب أن تراعى ظروفهم اليوم.
الحقيقة أن هؤلاء أنهاهم الضرر قبل اليوم، وقبل قرار الملك، أما النوع الثاني، فخسارته تخضع لقواعد الخسارة التي تلحق بأي تجارة وأية سلعة باعتبارهم تجار أضاحي، وليسوا ممارسين لنشاط الكسب بكل ما يعنيه ذلك من تنوع في الرؤوس و كد في الحقول وسعي وراء الكلأ. ولهم بتلك الصفة أن يطالبوا الحكومة بدعمهم!
لكن السؤال الحقيقي اليوم الذي يجب أن يطرح، وهو المدخل إلى الجزء الثاني من هذا المقال هو: أين إختفت ملايين رؤوس الماشية المغرية التي كانت دائما تؤثث مشاهد التلفزة الرسمية؟
في يوليوز الماضي ترأس وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات حينها، محمد صديقي، والكاتب العام السابق للوزارة نفسها، افتتاح الجمع العام العادي للجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز ANOC، و في كلمته الافتتاحية، تطرق الوزير الى الدور الأساسي الذي يلعبه قطاع تربية الماشية بالمغرب من خلال المساهمة في الأمن والسيادة الغذائية للبلاد، وكذلك في خلق فرص للتشغيل بالعالم القروي.
كما أشار الوزير ووفق ما هو منشور في الموقع الرسمي للوزارة، إلى أهمية الرصيد الحيواني بالمغرب، الذي يشمل أكثر من 28,76 مليون رأس، منها 20,3 مليون من الأغنام و 5,4 مليون رأس من الماعز و 2,88 مليون رأس من الأبقار وأزيد من 180.000 رأس من الإبل.
إذا علمنا أن الاستهلاك السنوي في عيد الأضحى هو نحو 5 ملايين رأس من الأغنام، وإذا استحضرنا معطيات الاستيراد وإذا استحضرنا أيضا معطيات القطيع الذي كان في 2019 وهو أقل مما صرح به الوزير في يوليوز الماضي (نحو 19 مليون رأس من الأغنام)، فكيف إذن نستوعب أرقام الوزير في ظل الوضعية التي تحدث عنها الملك وكانت سببا في اتخاذ قرار تعليق الأضحية؟
إن الهوة في الخطابين، تؤكد بأن أرقام الوزارة هي أرقام للاستهلاك الإعلامي، ولا وجود لها أرض الواقع، والدليل على ذلك أنه في الزمن الذي كان فيه عدد الرؤوس، وبالخصوص الأغنام أقل مما صرح به الوزير كانت شعيرة الذبح تؤدى بشكل منتظم.
إن الأرقام المشكوك فيها التي قدمتها الوزارة بلا شك هي محاولة لتلافي طرح سؤال لماذا؟ وقد يكون الجواب من البعض توالي سنوات الجفاف، وإن كان ذلك صحيح إلى حد ما، فالجميع يعرف بأن الجفاف وبالخصوص في المناطق التاريخية المعروفة بالكسب هو جفاف هيكلي. لذلك فإن الراجح إلى جانب معطيات المناخ، هناك تدبير سيء للثروة الحيوانية في البلاد، وهي اشكالية هددت و وضعت الأمن الغذائي للمغاربة على المحك، وأنهكت قدرته الشرائية.

