ماذا يعني التقليص الجذري للمساعدات الأمريكية للتنمية في إفريقيا؟

دونالد ترامب

لم يقتصر هذا الانكماش الجذري في المساعدات العامة للتنمية (APD) على الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وحدها، بل أدى إلى بتر 90% من مواردها. وإلى جانب الكارثة الإنسانية، تمثل هذه الخطوة لإفريقيا تحولًا سياسيًا شاملًا بثلاثة أبعاد رئيسية، والتي تناولتها منصة “Mondafrique” تباعًا:

  1. كانت المساعدات الأمريكية العامة للتنمية ذات طابع جيوسياسي هائل مقارنة بشركاء التنمية الدوليين الآخرين.
  2. استهدفت هذه المساعدات قطاعات شديدة الحساسية مثل الصحة والهجرة والسلام.
  3. الصين، المنافس الرئيسي للولايات المتحدة في إفريقيا، تأثرت سلبًا أكثر مما استفادت من تغيير السياسة الأمريكية.

مساعدات جيوسياسية وضخمة

تأسست الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) عام 1961 في عهد الرئيس جون كينيدي، مستلهمة من خطة مارشال. وكان هدفها الرئيسي الحد من الفقر، وتعزيز الديمقراطية، وتحفيز النمو الاقتصادي، وإغاثة ضحايا الكوارث الطبيعية، ومنع النزاعات. كما شكلت الواجهة الرئيسية للقوة الأمريكية في مواجهة الاتحاد السوفيتي آنذاك.

بلغت ميزانية الوكالة أكثر من 40 مليار دولار في عام 2024، بعد زيادة سريعة منذ التسعينيات، وهي الفترة التي أرادت فيها الولايات المتحدة أن تصبح “شرطي العالم” بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي. تنفذ الوكالة برامج في 150 دولة، معظمها في إفريقيا وجنوب شرق آسيا وأمريكا الجنوبية، وتساهم بأكثر من 40% من المساعدات الإنسانية العالمية.

كان من المستحيل تجاهل أثر هذه المساعدات، سواء في المدن الإفريقية الكبرى أو في مخيمات اللاجئين. في طفولتي في جيبوتي، كنت أرى خط السكة الحديد الفرنسي-الإثيوبي ينقل الإمدادات إلى مدينة دير داوا، ثاني أكبر مدن إثيوبيا من حيث عدد السكان، حيث كانت الأكياس التي تحمل شعار يد بيضاء تصافح يدًا سوداء – رمز المساعدات المقدمة من USAID.

لم تكن إثيوبيا، التي لم تخضع للاستعمار أبدًا، بعيدة عن استراتيجية كينيدي الذي أطلق أولى جهود التنمية في العالم الثالث لمواجهة انتشار الشيوعية. كانت قوات السلام (Peace Corps) إحدى أدواته لمنع نشر القوات العسكرية. وهكذا، كان الدعم الأمريكي للتنمية منذ البداية قائمًا على مبدأ المعاملات، حيث تُركت الجهود الخيرية للمؤسسات الدينية والمنظمات غير الربحية.

في عام 1998، ثبت الكونغرس الأمريكي استقلالية USAID، بحيث لا يمكن حلها إلا بقرار منه. ومع ذلك، تمكنت الإدارة الأمريكية الجديدة من الالتفاف على هذا القرار عبر دمجها في وزارة الخارجية، تحت إدارة بيتر دبليو ماروكو، المسؤول عن قسم المساعدات الخارجية، والذي كان أكثر تشددًا من رئيسه ماركو روبيو في إيقاف الدعم عن الدول التي اعتبرها “غير جديرة بالثقة”.

انسحاب ممنهج

شهدت سياسات المساعدات الأمريكية تحولًا كبيرًا، لكن لم يكن ذلك دون مقدمات. فقد كانت هناك إشارات مبكرة على هذا التغيير، ولم تحظَ اعتراضات الديمقراطيين في الكونغرس باهتمام يُذكر. في الواقع، لم يعارض أي من الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة دمج USAID في وزارة الخارجية.

وكل من قرأ برنامج إدارة ترامب “مشروع 2025” كان يعلم أن المساعدات العامة للتنمية ستُعاد هيكلتها وفقًا لأولويات المصلحة الوطنية والحكم الرشيد، على عكس “الإيديولوجيات المتطرفة” وسوء الإدارة في عهد بايدن.

حتى في عهد بايدن، كانت هناك تخفيضات في المساعدات، خاصة بعد تحويل الأموال لمواجهة جائحة كورونا. كما أدى تبنيه لسياسة “أمريكا أولًا” إلى إعادة توجيه عمل USAID نحو الأولويات الداخلية.

منذ الستينيات، كانت المساعدات العامة للتنمية جزءًا أساسيًا من الدبلوماسية الأمريكية. في العقد الماضي، بلغت المساعدات السنوية أكثر من 60 مليار دولار، حيث كانت تُدار ثلثها عبر وزارة الخارجية والثلثين عبر USAID. كان ذلك يضمن عدم تأثرها بالتغيرات الجيوسياسية، كما حدث في مالي، التي رغم عدم كونها حليفًا لواشنطن وتلقيها دعمًا عسكريًا روسيًا، استمرت في تلقي بعض المساعدات الأمريكية.

لكن مع انتقال إدارة المساعدات إلى وزارة الخارجية، أصبح لدى واشنطن وأفراد السلك الدبلوماسي ميزانية ضخمة للتأثير في الشؤون المحلية، مما لم يكن دائمًا في مصلحة الشعوب.

تراجع المساعدات وأثرها على إفريقيا

لا تمثل المساعدات الأمريكية سوى 0.15% من الناتج المحلي الإجمالي لأكبر اقتصاد رأسمالي في العالم. لكن إيقافها يكشف مدى أهميتها عالميًا، حيث خصصت الولايات المتحدة 68 مليار دولار للمساعدات في 2024 موزعة على 204 دول ومناطق.

شكلت المساعدات الأمريكية ربع إجمالي المساعدات لإفريقيا، وكان العديد من الدول، مثل جمهورية إفريقيا الوسطى والصومال، يعتمد عليها. على سبيل المثال، اضطر المجلس النرويجي للاجئين إلى وقف أنشطته في هذه البلدان بسبب انقطاع التمويل الأمريكي.

شملت المساعدات الأمريكية أربعة قطاعات رئيسية: التنمية الاقتصادية، الصحة، المساعدات الإنسانية، والسلام. كان قطاع السلام والأمن يحصل على 10 مليارات دولار سنويًا. وكانت هذه المساعدات ضرورية لملايين المحتاجين، وخاصة في ظل تفاقم التهديدات الأمنية التي تؤثر على أوروبا الشرقية والحدود الجنوبية للولايات المتحدة.

في المغرب، الذي يمثل نقطة عبور رئيسية للهجرة بين إفريقيا وأوروبا، كانت منظمة الهجرة الدولية (OIM) تعتمد بشكل كبير على تمويل USAID. لكن مع إيقاف هذه التمويلات، أصبحت جهود المغرب لتنظيم الهجرة أكثر تعقيدًا.

كما دعمت الولايات المتحدة مشاريع الاستقرار في مالي، ومساعدة اللاجئين والمجتمعات المضيفة في بوركينا فاسو، ومحاربة الاتجار بالبشر في النيجر. لكن مع توقف التمويل، تراجعت هذه الجهود بشكل ملحوظ.

التنافس مع الصين

في الوقت الذي تحتاج فيه إفريقيا إلى المزيد من المساعدات الأمريكية، تبدو أوروبا غير قادرة على سد الفجوة، حيث قدمت أقل من نصف مليار دولار للقارة، مقارنة بالمليارات الأمريكية. لكن يجب ملاحظة أن تراجع المساعدات الأمريكية لم يبدأ في عهد ترامب، بل كانت الأولويات دائمًا موجهة لدول مثل أوكرانيا، الأردن، إسرائيل، ومصر.

لا تتبع الصين النموذج الأمريكي في المساعدات، لكنها حاولت تعزيز وجودها في إفريقيا من خلال مشاريع الصحة والبنية التحتية. ومع ذلك، لم تتجاوز مساعداتها للمنطقة 3 مليارات دولار سنويًا، مقارنةً بـ 50 مليار دولار كانت تديرها USAID، منها ثلث مخصص لإفريقيا.

حتى في المؤسسات الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية (WHO) ومراكز مكافحة الأمراض الإفريقية (Africa CDC)، لم تستطع الصين ملء الفراغ الأمريكي. فقد خصصت الولايات المتحدة سابقًا نصف مليار دولار لهذه المنظمات، بينما قدمت الصين 4 ملايين دولار فقط.

مع عودة ترامب المحتملة إلى البيت الأبيض، يبدو أن الأولويات الأمريكية ستتحول نحو تأمين الموارد الاستراتيجية في إفريقيا بدلًا من تقديم المساعدات. فمثلًا، يتيح “ممر لوبيتو” (Lobito Corridor) للشركات الأمريكية الوصول إلى المعادن الأرضية النادرة.

في النهاية، يتضح أن المنافسة الأمريكية-الصينية في إفريقيا لن تكون في مجال المساعدات، بل في السيطرة على الموارد والبنية التحتية، مما ينذر بمستقبل أكثر براغماتية وأقل دعمًا للقارة.

المصدر : www.mondafrique.com