بلمزيان يكتب ..حديث رمضان 3:  التشريع بين النص والسلطة: تفكيك التناقض بين القرآن والأحاديث بمنهجية مادية تاريخية

أبوعلي بلمزيان

إن التناقض القائم بين النص القرآني والأحاديث في مسألة التشريع ليس مجرد تباين ديني، بل هو انعكاس لصراع أعمق بين السلطة والمعرفة، بين النص الأصلي الذي يدّعي احتكار الحقيقة وبين التأويلات التي خضعت لمقتضيات الهيمنة الطبقية والتاريخية. فحين يقرر القرآن بشكل حاسم أن “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ”، فإنه يؤكد على مركزية التشريع الإلهي كسلطة مطلقة لا ينازعها أحد، مما يضع حدودا واضحة أمام كل أشكال الوساطة البشرية التي تحاول أن تتموقع كمصدر تشريع مستقل أو مكمّل. غير أن التاريخ لم يكن يوما محكوما بهذه النصوص المثالية، بل كان دائما محكوما بموازين القوى، حيث تعيد الطبقات السائدة تأويل المقدس بما يخدم مصلحتها في التحكم وإعادة إنتاج النظام القائم.

إن الأحكام التي أضافتها الروايات والأحاديث، مثل الرجم أو التفصيلات الدقيقة في العبادات والمعاملات، ليست سوى بناءات فوقية فرضتها البنية التحتية للسلطة السياسية والدينية التي ظهرت بعد وفاة النبي. فالرسالة القرآنية، التي كانت تعبّر في جوهرها عن لحظة تحررية في سياقها التاريخي، سرعان ما جرى احتواؤها من قبل النخب القبلية والبيروقراطية الدينية الصاعدة، والتي وجدت في الحديث، كنص مفتوح على التأويل والتعديل، وسيلة لإعادة تشكيل الشريعة وفق مقتضيات الحكم والضبط الاجتماعي. لم يكن الأمر مجرد تطوير طبيعي للدين، بل كان إعادة هندسة سياسية لدوره ووظيفته.

عندما تتناقض الروايات مع المبدأ القرآني القائل بأن التشريع لله وحده، فإن ذلك يعكس طبيعة العلاقة الجدلية بين النص والواقع. فالطبقات المهيمنة لم تكن لتقبل بنص يحد من سلطتها التشريعية، لذلك كان لا بد من إنتاج خطاب ديني موازٍ، يتمتع بشرعية نسبية لكنه يظل خاضعا للعبة السلطة. وهكذا تحوّل الحديث إلى أداة أيديولوجية استخدمتها السلطة السياسية لتمرير قوانين غير منصوص عليها قرآنيا، لكنها ضرورية لضبط المجتمع وفق منطق الهيمنة.

إن مسألة الرجم، على سبيل المثال، تعكس هذا التناقض بوضوح. فالقرآن، رغم تفصيله في العقوبات، لم يذكر الرجم كعقوبة، بل نص على الجلد. ومع ذلك، نجد في الأحاديث ما يزعم أن النبي طبّق عقوبة الرجم، وهو ما يتناقض مع روح النص القرآني ذاته. إن هذا التناقض ليس مجرد خطأ في التوثيق أو التفسير، بل هو تعبير عن سيرورة تاريخية سعت إلى إنتاج منظومة عقابية أكثر قسوة، تتناسب مع الحاجة إلى الضبط الاجتماعي العنيف الذي تتطلبه المجتمعات الزراعية التي تأسست فيها الدولة الإسلامية الأولى. وهنا تتجلى وظيفة الدين كمؤسسة أيديولوجية للدولة، حيث يتم تطويع النص الديني وفقاً لحاجات السلطة.

هذه الظاهرة ليست خاصة بالإسلام، بل هي سمة عامة لكل الأديان التي انتقلت من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة. فكل رسالة دينية تحمل في بدايتها ملامح تحررية، لكنها ما إن تصطدم بالواقع الاجتماعي حتى يتم تكييفها لتصبح أداة في يد القوى المسيطرة. لقد خضعت الأحاديث، كمصدر تشريعي، إلى عملية إعادة إنتاج أيديولوجي مكثفة، حيث انتُقيت النصوص التي تدعم السلطة، وأُقصيت أو أُضعفت النصوص التي تتعارض مع مصالحها. بهذا المعنى، لم يكن تدوين الحديث عملاً بريئا أو محايدا، بل كان جزءا من صيرورة بناء الدولة وتحديد طبيعة علاقتها بالدين.

إن التحليل المادي التاريخي لهذا التناقض يقودنا إلى فهم أعمق لوظيفة الخطاب الديني في المجتمعات ما قبل الرأسمالية. فبينما يطرح القرآن تصورا لتشريع يحدّ من تحكم البشر في مصائرهم، فإن البنية الاجتماعية فرضت واقعاً مختلفا، حيث أصبحت الشريعة أداة للإخضاع بدلا من أن تكون أداة للتحرر. هذا التحول لم يكن حتميا، لكنه كان نتيجة لصراع طبقي بين القوى التي رأت في الإسلام أداة تغيير ثورية، والقوى التي أرادت ترويضه وإعادة إنتاجه كأيديولوجيا محافظة.

من هنا، فإن مساءلة الأحاديث التي تتناقض مع النص القرآني ليست مجرد نقاش فقهي، بل هي عمل نقدي يرتبط بتحرير الدين من قبضة المؤسسات السلطوية. فإعادة قراءة النصوص في ضوء السياقات التي أنتجتها يسمح لنا بفهم كيف يتم استخدام المقدس لتبرير سلطة غير مقدسة، وكيف أن ما يُقدَّم كحقيقة مطلقة ليس سوى نتاج لصراعات بشرية تاريخية. إن تفكيك هذه التناقضات هو جزء من مشروع تفكيك الأيديولوجيا التي تجعل الدين أداة خضوع بدلاً من أن يكون أداة وعي وانعتاق.

– الحسيمة في 4 مارس 2020.

– أبوعلي بلمزيان.