منذ متى كانت العدالة الثورية تُمارَس عبر التبرير الانتقائي لجرائم القتل والانتقام ؟ منذ متى صار الدفاع عن القيم الثورية يُختزل في ذرائع واهية تسوّغ انتهاكاتٍ وتغطي على ممارسات لا تقل وحشية عن تلك التي أتى النظام البائد نفسه بها؟ إن جوهر الثورة لا يقوم على تبنّي أساليب الجلاد ولا إعادة إنتاج ممارساته تحت مسميات جديدة، بل يقوم على القطع مع منطق الاستبداد والقمع، لا إعادة تدويره بلبوس الثورة والشرعية الثورية، وكأن التاريخ يعيد نفسه في مشهدٍ بائس لا ينطلي إلا على من استبدل العصا الغليظة بيد أخرى ولكنه حافظ على العقيدة نفسها.
الحديث عن كون الجرائم التي وقعت بسوريا “مجرد تجاوزات فردية” هو السردية الرسمية التقليدية التي لطالما استخدمتها الأنظمة القمعية، وهو بالضبط ما كان النظام البائد نفسه يردده حينما كان يبرر قمعه الوحشي لمعارضيه. هذا المنطق المبتذل لا يمكن أن يصمد أمام أي تحليل موضوعي، فمتى كانت التجاوزات الفردية تشمل عمليات قتل وتصفية واسعة تُبرَّر بالشرعية الثورية؟ ومتى كان يمكن للثورة أن تبني شرعيتها على الدماء بدلًا من قيم التحرر والعدالة؟
الانتقائية في إدانة الجرائم تكشف الوجه الحقيقي لمنطق التبرير الأيديولوجي، فكيف يمكن لعاقل أن يدعي رفضه للانتهاكات ولكنه يلتزم الصمت حين يكون الضحايا من الطرف الآخر؟ كيف يُطالب بمحاكمة مرتكبي التجاوزات في الوقت الذي يتم فيه تبرير وتجميل القتل خارج نطاق القانون؟ إذا كانت إدانة القمع والانتهاكات مشروطة بهوية الجاني والضحية، فإن ذلك ليس إلا ازدواجية مقيتة لا علاقة لها لا بالثورة ولا بالمبادئ التي قامت من أجلها.
أما الحديث عن “التصدي لفلول النظام بشرعية قانونية وثورية” فهو ذرٌّ للرماد في العيون، إذ كيف يكون هناك قانون في غياب دولة حقيقية؟ وكيف تكون هناك شرعية ثورية إذا كانت الثورة نفسها قد تحولت إلى أداة انتقام عشوائي بدلاً من أن تكون مشروع تحرر وطني؟ هل الشرعية تُكتسب فقط برفع الشعارات أم أن معيارها الحقيقي هو قدرتها على تقديم نموذج مغاير لا يكون استنساخًا بائسًا لأنظمة القمع والاستبداد التي سبقتها؟
ثم إن الحديث عن الأخلاق والثورية والقانون في الوقت الذي تُرتكب فيه التجاوزات ويتم التغطية عليها ليس إلا خطابًا منافقًا يسعى لإعفاء الذات من المسؤولية السياسية والأخلاقية. فالثورة التي لا تنأى بنفسها عن منطق الدم، والتي تسمح لمنطق الانتقام بأن يحل محل العدالة، ليست ثورة تحرر بل نسخة مشوهة لأنظمة الاستبداد التي جاءت لإسقاطها.
إن تمجيد القمع تحت أي غطاء هو سقوط سياسي وأخلاقي، ومحاولة إعادة إنتاج العنف بوصفه ضرورة ثورية ليست إلا استعادة كارثية لمنطق الدولة الأمنية ولكن بأدوات جديدة. الثورة الحقيقية ليست في تبرير الجرائم حينما تكون في صالح طرفٍ بعينه، بل في القدرة على تجاوز منطق العنف والانتهاكات وفتح أفق جديد للحرية والعدالة، بعيدًا عن خطاب المظلومية الانتقائية الذي يُوظَّف فقط عندما يخدم أجندة بعينها.
ما يُمارَس اليوم تحت غطاء “التصدي للفلول” هو إعادة إنتاج لعقلية الفلول نفسها، ولكن بتمثيلات جديدة وأسماء مختلفة، وإذا لم تتجاوز الثورة هذا المنطق، فإنها لن تؤسس إلا لنظامٍ آخر سيسقط عاجلًا أم آجلًا تحت وطأة تناقضاته، تمامًا كما سقطت كل الأنظمة التي بنت وجودها على العنف والتبرير والشرعية الزائفة.
الحسيمة، أبوعلي بلمزيان

