أبو علي بلمزيان يكتب.. الصراع بين النص التأسيسي والسلطة الفقهية: جدلية التشريع بين القرآن والحديث

أبوعلي بلمزيان

إذا كان القرآن هو المصدر الأساسي للتشريع في المنظومة الإسلامية، فإن طبيعة العلاقة بينه وبين الحديث تثير إشكالات جوهرية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالاختلافات في بعض الأحكام التفصيلية. ففي حين يضع القرآن المبادئ العامة للتشريع، تأتي الأحاديث بصياغات تفصيلية قد تبدو في بعض الأحيان متناقضة أو متجاوزة للنص الأصلي، مما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة السلطة التشريعية ومصادرها، وحول الدور الذي لعبته البنية السياسية والاجتماعية في تشكيل الرواية الفقهية المعتمدة عبر التاريخ.

القرآن، باعتباره نصاً تأسيسياً، يحدد معالم العبادات بطريقة كلية دون الغوص في التفاصيل الدقيقة التي ستظهر لاحقاً في كتب الفقه والحديث. على سبيل المثال، حين يتناول مسألة الصلاة، فإنه يشير إلى أوقاتها بشكل عام دون تحديد دقيق لطريقة أدائها في كل تفاصيلها: “أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا” (الإسراء: 78). لكن الأحاديث جاءت لاحقاً لتحدد عدد الصلوات بدقة، توقيت كل منها، وحركاتها، وحتى أذكارها، مما يطرح إشكالية مصدر هذا التفصيل، وهل هو وحي تكميلي أم اجتهاد بشري متراكم ضمن تطور النسق الفقهي.

أما في مسألة الوضوء، فالقرآن يضع قاعدة عامة توضح الخطوات الأساسية للطهارة، حيث يقول: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ” (المائدة: 6). الآية توضح بشكل لا لبس فيه أن الطهارة تشمل غسل الوجه والأيدي إلى المرافق، وتمسح على الرأس، لكن الجزء المتعلق بالقدمين يمكن قراءته بطريقتين، إما بالمسح أو بالغسل، بناءً على إعراب “وأرجلكم”. ومع ذلك، فإن الأحاديث النبوية تضيف تفصيلاً واضحاً حول غسل القدمين، حيث جاء في الحديث: “إذا توضأ أحدكم فليغسل كفيه قبل أن يدخلهما في الإناء، وإذا استيقظ من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا” (رواه مسلم). هذا التفصيل الفقهي الإضافي لم يرد بالنص القرآني ولكنه صار ملزماً فقهيًا بفعل سلطة الحديث.

المسألة هنا ليست مجرد اختلاف لغوي أو تفسير نحوي، بل تعكس تطوراً تشريعياً خضع لديناميات اجتماعية وسلطوية. فمن خلال التحليل المادي التاريخي، يمكن قراءة هذا التباين في ضوء الصراع بين سلطة النص التأسيسي وسلطة المؤسسة الدينية المتشكلة لاحقاً. فالحديث، الذي بدأ كنقل شفهي في سياق اجتماعي معين، تحول لاحقاً إلى أداة لضبط الممارسات الدينية وفقاً لمتطلبات الدولة الإسلامية الناشئة، التي كانت بحاجة إلى توحيد الطقوس الدينية لضمان تماسكها السياسي والاجتماعي. هذا يفسر كيف أن بعض الأحاديث التي تفصل في مسائل العبادات لم تكن فقط اجتهادات شخصية للنبي، بل صارت لاحقاً جزءاً من آلية ضبط المجتمع وفق منظومة تشريعية ذات طابع سلطوي، تعكس ضرورات الهيمنة السياسية.

إذاً، ما يبدو ظاهرياً كتفصيل في العبادات هو في الحقيقة إعادة تشكيل لبنية التدين وفقاً لمصالح القوى الحاكمة والمؤسسة الفقهية التي ستشكل لاحقاً سلطة موازية للدولة. وكما أشار المفكر عبد الله العروي في تحليله للفكر الإسلامي التقليدي، فإن “النصوص لا تفهم إلا في سياقها التاريخي، وإعادة إنتاجها بشكل دوغمائي يعني تجميد التاريخ في لحظة معينة”. من هذا المنطلق، فإن تطور النصوص الفقهية المستندة إلى الحديث لم يكن محض عفوية أو تواصل مباشر مع وحي إلهي جديد، بل كان نتاجاً لصيرورة اجتماعية تاريخية أعادت إنتاج الإسلام كمؤسسة سلطوية، وليس فقط كمنظومة روحية.

إن محاولة فرض هيمنة الحديث على النص القرآني في مسائل العبادات تثير التساؤل حول مشروعية هذا الامتداد الفقهي الذي أسس لما يُعرف لاحقاً “بسلطة السنة” كمصدر تشريع مكافئ للقرآن، بل أحياناً مهيمن عليه. وهذا يضعنا أمام سؤال أكثر عمقاً: إذا كان القرآن قد وضع الأساس التشريعي بكلياته، فهل كان هناك داعٍ لكل هذه التفصيلات التي لم ترد في النص الأصلي، أم أن ظهورها كان ضرورة سياسية لضبط الممارسة الدينية وفق تصور محدد يخدم بنية الدولة الإسلامية الناشئة؟

التفسير الجدلي لهذه الظاهرة يفترض أن هذه التفصيلات لم تأتِ من فراغ، بل تشكلت وفقاً لتطور العلاقات الاجتماعية والسياسية، فكما أن السلطة السياسية احتاجت إلى مركزية دينية تُشرعن حكمها، احتاجت السلطة الدينية بدورها إلى توسيع دائرة سلطتها عبر خلق تقاليد فقهية تستند إلى الحديث كمرجعية موازية، وهو ما يفسر لماذا صار كثير من الفقهاء يعتبرون السنة “مقدمة على القرآن في التشريع العملي”، وهو ما يتناقض مع نصوص قرآنية تحصر التشريع في الوحي الإلهي المباشر دون تفويضه لأي مصدر بشري.

عليه، فإن الإشكال القائم بين ما يورده القرآن وما تضيفه الأحاديث لا يمكن فصله عن السياق التاريخي لصراع السلطة بين النص التأسيسي والنص الفقهي المنتج لاحقاً. فالاختلافات الفقهية ليست مجرد تباينات تأويلية، بل تعبير عن تطور التشريع وفق ضرورات اجتماعية وسياسية فرضت نفسها على النص الديني، مما أدى إلى إعادة إنتاجه بشكل يخدم مصلحة القوى المهيمنة في كل مرحلة تاريخية.
•⁠ ⁠الحسيمة في 11 مارس 2025.
•⁠ ⁠أبوعلي بلمزيان.