إذا كان النص القرآني قد حفظ نفسه من العبث الأيديولوجي بفضل عملية التدوين المبكر التي حظي بها، فإن الحديث لم يكن بنفس الحظ، إذ تأخر تدوينه لعقود بعد وفاة النبي، ما جعله عرضة للتوظيف السياسي والاجتماعي. فالصراع الطبقي داخل البنية السياسية الإسلامية الناشئة، وصعود طبقة أرستقراطية مستفيدة من السلطة، أوجد بيئة مثالية لإنتاج وتأويل الحديث وفق ما يخدم هذه المصالح. إن التضارب بين بعض الأحاديث والواقع العلمي ليس مجرد إشكال علمي، بل هو انعكاس لهذا الصراع الذي لم يكن الدين بمنأى عنه.
القرآن، حين تحدث عن الظواهر الكونية، اتسم خطابه بالمرونة، فاتحًا المجال أمام الفهم العلمي دون أن يقيده بتصورات ساذجة. يقول: “وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا” (يس: 38)، وهو تعبير مجازي ينسجم مع التطورات العلمية حول حركة الأجرام السماوية. بينما نجد في الحديث مقولات تتناقض مع هذا المنطق العلمي، كحديث غروب الشمس في عين حمئة، حيث رُوي عن أبي ذر الغفاري أنه قال: “كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس، فقال: يا أبا ذر، هل تدري أين تغرب الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يُقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئتِ، فتطلع من مغربها” (رواه البخاري ومسلم). هذا الحديث جاء بصيغة تقريرية غير قابلة للتأويل، مما أدى لاحقًا إلى تصادم بين علماء الدين والحقائق العلمية الحديثة.
هذا التناقض ليس عبثيًا، بل هو نتاج تاريخي لطبيعة المجتمع الذي أنتج الحديث. فمنذ اللحظة التي تحولت فيها الدولة الإسلامية من مشروع تحرري إلى نظام سلطوي، بدأت عملية إعادة صياغة الوعي الجماهيري من خلال الدين. هنا لعبت الأحاديث دورًا جوهريًا في تكريس تصورات جامدة عن العالم، إذ احتاجت السلطة إلى ترسيخ رؤية ثابتة تخدم استقرارها. فلم يكن صدفة أن يتم الترويج لأحاديث تكرّس نظرة محدودة للكون، بل كان ذلك جزءًا من بناء أيديولوجي يهدف إلى تكييف العقول مع نظام حكم يتغذى على الجهل والاستسلام.
علماء أصول الفقه، في محاولة لإنقاذ الموروث الحديثي، لجأوا إلى استراتيجيات دفاعية مثل النسخ أو الطعن في السند، لكن هذه المحاولات لم تفلح في إخفاء المشكلة البنيوية للحديث، وهي كونه نتاجًا لزمن لم يكن العلم فيه قد تطور بما يكفي لفهم الظواهر الطبيعية. ولهذا نجد أن بعض الأحاديث تخدم تصورات أسطورية، بينما القرآن ظل منفتحًا على التطور العلمي. هذه النقطة وحدها تكفي لتبيان أن الفرق بين النص القرآني والحديث ليس مجرد فرق في المصدر، بل هو فرق في الدينامية الفكرية؛ القرآن نص ذو بنية مفتوحة على التأويل العلمي، بينما الحديث، بحكم سياقات إنتاجه، ارتبط بذهنية مغلقة أسيرة لمحددات زمنية وسياسية.
إن هذه الإشكالات لم تكن لتظهر لولا أن الحديث، منذ لحظة تدوينه، لم يكن مجرد تسجيل لوقائع تاريخية، بل كان جزءًا من مشروع سلطوي هدفه تشكيل الوعي الديني وفق متطلبات المرحلة. فما معنى أن يُسمح بتدوين الحديث في العهد الأموي، بينما كان يُمنع بشدة في العهد الراشدي؟ وما معنى أن نجد في الحديث روايات تخدم مصلحة الطبقة الحاكمة في تبرير الاستبداد، بينما نجد في القرآن قيمًا ثورية تحررية كقوله: “لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ” (الإسراء: 70)؟ هذه التناقضات ليست مجرد مفارقات عشوائية، بل هي أدلة دامغة على أن الحديث لم يكن نصًا محايدًا، بل كان ميدانًا لصراع الهيمنة، حيث استُخدم لتطويع الجماهير بدل أن يكون منبعًا لتحررها.
وهذا ما يجعل التمسك بالأحاديث المتناقضة مع القرآن، رغم وضوح الخلل فيها، استمرارًا لمشروع الهيمنة. فالحديث الذي يصر على نموذج جامد للعالم، ويعارض العقل والعلم، ليس مجرد خطأ علمي، بل هو امتداد لبنية فكرية ترى في كل تطور تهديدًا لسلطتها. وهنا تكمن خطورة الجمود الفقهي، الذي يحوّل النصوص التاريخية إلى حقائق مطلقة، مما يعرقل أي إمكانية لتجاوز الماضي نحو آفاق فكرية أكثر تحررًا.
إذن، التناقض بين النص القرآني والحديث ليس مجرد مسألة اختلاف في الرواية، بل هو انعكاس لصراع تاريخي بين رؤيتين: رؤية متحركة تستوعب التطور، وأخرى جامدة تحاول فرض تصور ماضوي على الواقع. وما لم يتم تفكيك هذه البنية الفكرية المتحجرة، فإن أي محاولة للإصلاح الديني ستظل حبيسة دوامة الترقيع والتبرير، دون أن تصل إلى جوهر الإشكال الحقيقي، وهو ضرورة تحرير الدين من سلطة التأويل السلطوي الذي فرضه التاريخ.
الحسيمة، أبوعلي بلمزيان

