إذا كان النص القرآني قد حسم مسألة المسؤولية الفردية بقوله الواضح “كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ” (المدثر: 38)، فإن الحديث الذي يروي محاورة آدم وموسى يطرح إشكالًا جذريًا في فهم العلاقة بين الإنسان وأفعاله، حيث يظهر آدم وكأنه يحتج بالقدر لتبرير خطيئته الأولى، وهو ما يتناقض جوهريًا مع المفهوم القرآني للمسؤولية الفردية. فقد جاء في الحديث: “قال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة! فقال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وألقَى عليك التوراة، فهل وجدت أن الله كتب عليَّ ذلك قبل أن يخلقني؟ قال: نعم. قال: فحاجَّ آدمُ موسىَ” (رواه البخاري). هنا يتبدى الصراع بين رؤيتين: رؤية تؤكد حرية الإنسان في اتخاذ قراراته وتحمله تبعاتها، وأخرى تفتح الباب أمام تبرير الانحرافات الفردية والجماعية بغطاء من “المشيئة الإلهية”، وهو ما لطالما استُخدم كأداة أيديولوجية لتبرير الظلم الاجتماعي والسياسي.
ليس من قبيل الصدفة أن ينشأ مثل هذا الحديث في بيئة شهدت ترسيخًا لمنطق الاستبداد، حيث كان الحُكّام في حاجة إلى خطاب ديني يعزز فكرة القدرية، محولًا المسؤولية من الحاكم الظالم إلى “القضاء المحتوم”. من هنا يصبح من الممكن تبرير كل أشكال القهر والفساد باعتبارها جزءًا من خطة إلهية لا فكاك منها. في هذا السياق، يصبح الاحتجاج بالقدر ليس مجرد فكرة لاهوتية، بل أداة سياسية لشرعنة الهيمنة، وهو ما يتجلى بوضوح في استنتاج الحديث: “فحاجَّ آدمُ موسىَ”، أي غلبه بالحجة، وكأن مسؤولية الخروج من الجنة لم تكن إلا نتيجة حتمية لما كُتب مسبقًا، لا اختيارًا فرديًا مسؤولًا.
القرآن، في تأكيده على مسؤولية الإنسان عن أفعاله، يقطع الطريق على هذا التوظيف السلطوي، وهو ما نجده في قوله: “وَكُلُّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ، كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا” (الإسراء: 13-14). هذه الرؤية تتناقض مع منطق الحديث الذي يجعل حتى الخطيئة الأولى – وهي الفعل المؤسس لحالة الإنسان في العالم – مجرد حدث مسجل مسبقًا، وبالتالي يزيل عنها كل طابع اختياري.
التناقض هنا ليس مجرد تناقض نصوص، بل هو تناقض بين تصورات اجتماعية متصارعة. فالحديث، في مضمونه، يعكس ذهنية تبريرية تُطوِّع العقيدة لخدمة القوى السائدة، بينما النص القرآني يؤكد على استقلالية الإنسان في قراراته، ما ينسجم مع أي مشروع تحرري يضع الإنسان في قلب الفعل التاريخي. لهذا لم يكن غريبًا أن تنحاز الأنظمة المستبدة عبر التاريخ إلى الفهم الجبري للدين، فيما قاوم اليسار الراديكالي وكل الحركات الثورية هذا الخطاب القدري الذي يحاول تحييد الإنسان عن دوره في صناعة مصيره.
إن إحياء الحديث عن هذه الإشكالات ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة لمواجهة بقايا الثقافة القدرية التي لا تزال تستخدم لتخدير الجماهير وإبقائها في حالة استسلام. فالتمسك بفكرة أن كل شيء مكتوب مسبقًا، وأن الظلم والتفاوت الاجتماعي ليس سوى امتداد لحتميات كونية، ليس إلا تكريسًا لاستمرار نفس الهياكل القمعية التي حكمت عبر التاريخ باسم “المشيئة الإلهية”، والتي لم تكن في حقيقتها سوى مشيئة الطغاة.
• الحسيمة في 15 مارس 2025.
• أبوعلي بلمزيان.

