بلمزيان يكتب .. (حديث رمضان 19) التناقض بين القرآن والحديث في قصة خلق السماوات والأرض: قراءة نقدية بمنهجية المادية التاريخية

أبوعلي بلمزيان

إن التعارض الصارخ بين التصور القرآني لخلق السماوات والأرض وبين التصور الذي يقدمه الحديث النبوي ليس مجرد اختلاف في التفاصيل، بل يعكس بوضوح التناقضات الداخلية التي نشأت عند محاولات تأويل النصوص الدينية بما يتناسب مع الرؤى التراثية التي سادت في العصور القديمة.

فالقرآن يحدد أن عملية الخلق تمت في ستة أيام، حيث خُلقت الأرض في يومين، ثم تم تقدير أقواتها في أربعة أيام، ثم اكتمل خلق السماوات السبع في يومين، كما ورد في قوله تعالى: “قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ” (فصلت: 9-12). هذا التحديد الواضح للمدة التي استغرقها الخلق يضع أساسًا متماسكًا من داخل النص القرآني نفسه، حيث يتم التأكيد على ستة أيام دون لبس.

غير أن الحديث المنسوب إلى النبي، والذي رواه مسلم، يقدم تصورًا زمنيًا مختلفًا تمامًا، إذ يقول: “خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل”. هنا نجد أن الرواية تقدم تصورًا زمنيًا يبدأ بيوم السبت، أي سبعة أيام بدلًا من ستة، مما يخلق تضاربًا جوهريًا ليس فقط مع النص القرآني، بل أيضًا مع البنية اللاهوتية التي تحاول فرض سردية موحدة حول خلق العالم.

هذا التعارض لم يمر دون انتقادات حتى داخل المنظومة الفقهية التقليدية، حيث أشار بعض العلماء إلى أن الحديث قد يكون من الإسرائيليات التي تسربت إلى النصوص الإسلامية، وهو ما يعكس الاعتراف الضمني بأن بعض الروايات الحديثية لم تكن سوى امتداد للروافد الثقافية التي تأثرت بها المجتمعات الإسلامية في مراحلها المبكرة. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: إذا كان القرآن يقدم سردية واضحة حول عدد الأيام، فلماذا يتم التمسك بحديث يناقضه صراحة؟ الإجابة تكمن في طبيعة الإنتاج الحديثي ذاته، حيث لم تكن الأحاديث مجرد نقل مباشر لما قاله النبي، بل كانت تعبيرًا عن محاولات لاحقة لإعادة بناء التاريخ الديني وفق متطلبات السلطة والمعرفة السائدة آنذاك.

المقاربة المادية التاريخية لهذا التناقض تكشف أن الحديث لم يكن مجرد تفصيل بريء، بل كان جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل الرواية الدينية بما يتناسب مع التصورات الفلكية والأسطورية التي كانت شائعة في البيئات المحيطة بالجزيرة العربية. إن الإصرار على تقديم جدول زمني أكثر تفصيلًا لخلق الكون يعكس حاجة المؤسسة الدينية إلى فرض تصورات محددة تستجيب لتساؤلات الناس، حتى لو أدى ذلك إلى اختلاق معطيات تتناقض مع النص الأصلي. إن عملية إنتاج الحديث لم تكن محكومة فقط بدوافع دينية، بل كانت أيضًا أداة للسيطرة المعرفية، حيث يتم فرض تفسير رسمي للوجود الكوني على حساب التعددية التأويلية الممكنة داخل النص القرآني ذاته.

هذا التناقض يفتح المجال أمام إعادة قراءة الموروث الحديثي وفق منهجية نقدية صارمة، تأخذ في الاعتبار ليس فقط تناقض الأحاديث مع القرآن، بل أيضًا مع بعضها البعض، ومع الحقائق العلمية التي أثبتت أن الكون لم يُخلق في ستة أيام بالمعنى الزمني البشري، بل هو نتاج عملية كونية استغرقت مليارات السنين من التغيرات الفيزيائية والكيميائية المعقدة. وهنا يتبين أن الرؤية الدينية التقليدية ليست فقط متأخرة عن العلم، بل إنها تعتمد على أنماط تفكير ميثولوجية لا تزال تحاول فرض نفسها على وعي جماعي لم يعد يقبل التفسيرات التي تتجاهل الحقائق العلمية الراسخة.

إن تحليل هذا التناقض لا يعني المساس بالنص القرآني، بل على العكس، إنه يعيد الاعتبار له عبر فصله عن التأويلات التراثية التي فرضتها منظومة الحديث، والتي غالبًا ما جاءت في سياقات تاريخية لا علاقة لها بمرحلة نزول الوحي. وهذا ما يجعل من الضروري التعامل مع الأحاديث ليس بوصفها حقائق مطلقة، بل كنصوص خاضعة للنقد والتفكيك، ضمن مشروع أوسع لتحرير الفكر الديني من هيمنة الروايات التي تشكلت في عصور ما قبل العلم، لكنها لا تزال تُفرض على العقول اليوم كيقينيات لا تقبل المساءلة.

ما يتكشف هنا هو أن المعركة حول فهم النصوص ليست مجرد جدل ديني، بل هي معركة فكرية وسياسية، حيث تصر القوى التقليدية على فرض قراءتها التراثية لخلق العالم، بينما يكشف المنهج النقدي أن هذه القراءات لم تكن سوى أدوات لخدمة مشاريع أيديولوجية تحاول فرض رؤى جامدة على واقع متغير. إن استعادة النص القرآني من قبضة الروايات المتناقضة التي أحاطت به هو خطوة نحو بناء وعي جديد، لا يكون فيه الدين أداة لتجميد الفكر، بل مجالًا مفتوحًا لإعادة القراءة المستمرة وفقًا لمقتضيات المعرفة الحديثة.

– الحسيمة في 20 مارس 2025.

– أبوعلي بلمزيان.