بلمزيان يكتب.. (حديث رمضان 25): إشكالية العذاب الجماعي بين التصور القرآني والتأويل السلطوي

أبوعلي بلمزيان

إن مسألة العذاب الجماعي تطرح إشكالية جوهرية في فهم العدالة الإلهية، حيث نجد في القرآن تأكيدًا قاطعًا على مبدأ المسؤولية الفردية، إذ يقول: “وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى” (الأنعام: 164)، مما يعكس تصورًا قائمًا على العدل المطلق، حيث لا يُحاسب الإنسان إلا على أفعاله، ولا يتحمل تبعات أخطاء الآخرين. هذا المبدأ يتماشى مع الطرح الأخلاقي الذي يجعل من الإنسان كائنًا حرًا مسؤولًا عن قراراته، وهو ما يعزز فكرة الثواب والعقاب كنتاج مباشر لاختيارات الفرد.

لكن حين ننتقل إلى بعض المرويات الحديثية، نجد تصورًا مختلفًا يتجلى في الحديث الذي يرويه البخاري: “إذا أنزل الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على نياتهم”. هنا نواجه تصورًا يشرعن العذاب الجماعي، حيث يمكن أن يُهلك الله قومًا بأكملهم، بما في ذلك الأبرياء الذين لم يشاركوا في الظلم أو الفساد، مما يخلق تناقضًا واضحًا مع القاعدة القرآنية التي تقرر أن كل فرد مسؤول عن نفسه فقط. إن هذا التناقض لا يمكن عزله عن السياقات التي أُنتج فيها التراث الحديثي، والتي تداخلت فيها عوامل سياسية واجتماعية أسهمت في إعادة تشكيل الخطاب الديني وفق متطلبات السلطة ومصالحها.

إن تبني منهج التحليل النقدي والمادية التاريخية يساعدنا على فهم كيف أن التصور القرآني للعقاب ظل مرتبطًا بفكرة المسؤولية الفردية، بينما جاءت بعض الأحاديث لتعكس نزعة سلطوية ترى في العقاب الجماعي وسيلة لضبط المجتمعات وترسيخ الهيمنة. فالتاريخ البشري مليء بالأمثلة التي استخدمت فيها فكرة “العذاب الجماعي” كأداة لإرهاب الشعوب وترهيب الأفراد، سواء عبر الحروب أو المجازر أو السياسات القمعية، حيث يتم تحميل جماعة بأكملها مسؤولية أخطاء بعض أفرادها، وهو ما يخدم الأنظمة التي تحتاج إلى خطاب يبرر إجراءاتها العنيفة ضد خصومها أو المجتمعات التي تريد إخضاعها.

في ضوء هذه القراءة، يمكننا أن نفهم أن الحديث الذي يبرر العذاب الجماعي لم يكن مجرد نص ديني، بل كان جزءًا من أيديولوجيا سلطوية سعت إلى تكريس منطق العقاب الجماعي، وهو المنطق نفسه الذي اعتمدته الإمبراطوريات والأنظمة الاستبدادية عبر التاريخ لضمان إخضاع الشعوب وتبرير سياسات البطش الجماعي. ومن هنا، فإن استعادة النص القرآني كمصدر أصيل للعدالة يتطلب القطع مع هذه التفسيرات السلطوية التي جعلت من الدين غطاءً لممارسات تتناقض مع جوهره الأخلاقي والإنساني.

إن تفكيك هذه التناقضات لا يهدف فقط إلى كشف التوظيف السياسي للنصوص، بل يسعى أيضًا إلى تحرير الفكر الإسلامي من الرواسب التي كرّست منطق الظلم باسم الدين. إن الإسلام، في بعده التحرري، لا يمكن أن يكون مبررًا للبطش أو القهر، بل يجب أن يكون أداة للعدالة والحرية، وهو ما يفرض علينا مواجهة الإرث الحديثي الذي كرّس مفاهيم تخدم الاستبداد، وإعادة قراءة النصوص وفق رؤية نقدية تحررية، تعيد للإنسان كرامته وحقه في أن يُحاسب بناءً على أعماله الفردية، لا أن يكون ضحية لمنطق الإبادة الجماعية الذي لم يكن يومًا جزءًا من المنظومة الأخلاقية للإسلام كما صاغها القرآن.

– الحسيمة في 26 مارس 2025.
– أبوعلي بلمزيان.