ما تكشفه المفارقة بين النص القرآني والحديث النبوي بشأن مسألة “خلود أهل النار” هو أحد تجليات الإشكالات البنيوية في الفكر الإسلامي، حيث تتداخل التفسيرات العقائدية مع الحتميات النصية في صراع مفتوح بين الثبات والتطور، وبين خطاب العقوبة المطلقة ومنطق التخفيف التدريجي الذي تمليه الظروف التاريخية والسياسية. في الآية القرآنية: “خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا” (النساء: 169)، نجد أن النص يحمل دلالة قاطعة على استمرارية العذاب، ما يجسد تصورًا صارمًا للعدالة الإلهية غير القابلة للمراجعة أو الاستثناء. غير أن الحديث النبوي: “يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان” (رواه البخاري)، يفتح أفقًا مختلفًا، حيث يسمح بوجود مخرج للمعذبين استنادًا إلى الحد الأدنى من الإيمان، ما يثير تساؤلات جوهرية حول مدى التناسق بين المبدأين.
هذه الإشكالية ليست مجرد قضية تأويلية، بل تكشف عن صراع أعمق بين منطق الحتمية العقائدية والمنطق التاريخي لإنتاج المعرفة الدينية. فكما يشير حسين مروة في النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، فإن العقائد الدينية لا تُنتج في الفراغ، بل تنشأ في سياقات اجتماعية واقتصادية محددة، حيث يتم إعادة صياغة التصورات العقدية بما يخدم حاجات الجماعة ويضمن استقرار السلطة الدينية والسياسية. من هذا المنظور، يمكن فهم التشديد على “الخلود الأبدي” في الفترة التأسيسية للإسلام كأداة ردع فعالة للحفاظ على وحدة الجماعة الناشئة وترسيخ سلطة العقيدة، لكن مع مرور الزمن، ومع بروز تيارات فكرية وفلسفية داخل العالم الإسلامي، ظهر اتجاه نحو إدراج مفاهيم أكثر رحمة واستثناء، فجاء الحديث النبوي ليقدم تصحيحًا ضمنيًا للرؤية العقابية المطلقة.
الطيب تيزيني، في قراءته المادية للتاريخ الإسلامي، يؤكد أن النصوص الدينية لم تكن يومًا خارج سياقاتها الطبقية والسياسية، وأن تطور الفكر الإسلامي يعكس مراحل التحول الاقتصادي والاجتماعي في العالم الإسلامي. ووفقًا لهذا التحليل، فإن إضافة الحديث الذي ينص على إمكانية خروج بعض العصاة من النار يعكس رغبة المؤسسة الدينية في تخفيف صرامة العقيدة، خاصة بعد توسع الدولة الإسلامية ودخول شعوب جديدة تحتاج إلى تصور أقل قسوة عن العقاب الأخروي لضمان دمجها في المنظومة العقائدية.
هذه الإشكالية ليست جديدة على الفكر الإسلامي، فقد خاضت الفرق الكلامية، مثل المعتزلة والأشاعرة، صراعًا حادًا حول مفهوم “العدالة الإلهية”. المعتزلة، انطلاقًا من رؤيتهم العقلانية، رفضوا منطق العقاب الأبدي باعتباره يتناقض مع عدل الله، إذ كيف يُعقل أن يعاقب الإنسان إلى الأبد على أفعال ارتكبها في عمر محدود؟ هذا الطرح، رغم وجاهته الفلسفية، اصطدم بجدار النصوص القطعية التي يتبناها التيار الأشعري، الذي يرى أن الله يفعل ما يشاء دون أن يكون ملزمًا بأي منطق عقلي بشري. وهكذا، نجد أن هذا التناقض يعكس الصراع بين تيار عقلاني يسعى إلى تأويل النصوص بما يتناسب مع المنطق الإنساني، وتيار نصي تقليدي يرفض أي مراجعة لمضمون العقيدة.
عبد الله العروي، في نقده للموروث الديني، يرى أن النصوص الدينية خضعت عبر التاريخ لسلسلة من عمليات التأويل التي تخدم مصالح القوى المهيمنة في كل عصر. فالقول بوجود حديث نبوي يخفف من حدة العقوبة الأبدية قد يكون وسيلة لإعادة إنتاج العقيدة بشكل أكثر تسامحًا، يتناسب مع واقع سياسي واجتماعي متغير. هذا التحليل يتماشى مع رؤية محمد أركون، الذي يذهب إلى أن “الإسلام التاريخي” مختلف عن “الإسلام النصي”، وأن ما يُقدم اليوم كحقيقة دينية مطلقة ليس سوى تراكم لتفسيرات وتأويلات أنتجتها السلطة الدينية عبر العصور.
في ضوء هذا التحليل، يبدو جليًا أن التناقض بين الآية القرآنية والحديث النبوي ليس مجرد اختلاف لغوي أو تأويلي، بل هو انعكاس لصراع فكري داخل الإسلام بين رؤيتين متباينتين للعقاب الإلهي: رؤية ترتكز على الثبات المطلق، وتستخدم العذاب الأبدي كأداة ردعية، وأخرى تتبنى منطق التطور التاريخي، وتسعى إلى تقديم تصور أكثر مرونة يتناسب مع تحولات المجتمع الإسلامي. في نهاية المطاف، يظل هذا الصراع قائمًا، لأنه جزء من التوتر المستمر بين النصوص الدينية وسياقاتها التاريخية، وهو ما يجعل إعادة قراءة التراث الإسلامي ضرورة ملحة لفهم تطور العقيدة ضمن جدليتها مع الواقع الاجتماعي والسياسي.
– الحسيمة في 27 مارس 2025.
– أبوعلي بلمزيان.

