حسين زهوان..رحيل مناضل جزائري دفع ثمن الثورة مرتين

حسين زهوان

عن عمر ناهز 90 عاما، رحل المناضل والناشط الحقوقي والمحامي الجزائري، حسين زهوان، يوم الاثنين 17 مارس الجاري، بعد رحلة طويلة مليئة بالتحديات، و مليئة بالنقاش والجدل في مختلف الأوساط السياسية والفكرية.

من النشأة إلى الثورة

رأى المناضل حسين زهوان النور أول مرة في منطقة “ذراع بن خدة”، بتيزي وزو شرق الجزائر، التي عرفت بمقاومتها الشرسة للاستعمار الفرنسي.

في هذا المجال الجغرافي الذي كان يتنفس الثورة، و وسط عائلة وطنية تشكلت شخصية زهوان الثورية، وهو ما أهله وهو لم يتجاوز بعد عمر الـ19 سنة للالتحاق بصفوف حركة انتصار الحريات والديمقراطية، التي يعزى لها تحضير البيئة الخصبة لاندلاع الثورة الجزائرية.

بعد سنة واحدة من نشاطه “الثوري”، وبالضبط في العام 1955 سيتعرض زهوان للاعتقال من قبل الاستعمار الفرنسي، على خلفية معركة الجزائر، والزج به لست سنوات بسجن برباروس (سركاجي)، وهو السجن الذي تقاسم فيه التعذيب والتنكيل مع المقاوم الريفي “حمادي لعزيز”، أحد مبعوثي محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى الجزائر، لإشعال الثورة ضد الاستعمار، والذي كانت تعتبره فرنسا شخصا خطيرا نقلته لذلك الاعتبار، إلى فرنسا قبل أن تفرج عنه بتدخل الملك محمد الخامس. 

وقبل ذلك خاض زهوان نفسه، تجربة التكوين في إطار تشكيل “ضباط المغرب الكبير”، في العاصمة المصرية القاهرة، وهي المبادرة التي لعب فيها الزعيم الريفي محمد بن عبد الكريم الخطابي دورا هاما.

الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الانسان

بعد تجربة السجن القاسية والتي لن تكون الوحيدة، استعاد زهوان “حريته الصغرى”،  في العام 1957، لينطلق في مسار “الحرية الكبرى”، بالانضمام إلى الولاية الثالثة في مسقط رأسه، لتنظيم هجمات مسلحة ضد المستعمر الفرنسي مستنيرا في ذلك بتجربة حرب العصابات لمحمد بن عبد الكريم الخطابي، في مقاومته للاستعمار الإسباني في شمال المغرب.

و غدا زهوان بذلك واحدا من “المجاهدين” الذين كتبت أسمائهم بمداد من ذهب في سجلات المقاومين الحقيقيين.

مسار مضطرب

بعد الأعمال البطولية للمقاومة حل فجر الاستقلال، وكأي شاب مفعم بالحيوية ويسعى لبناء الدولة التي تحقق طموحات الشعب الجزائري، انضم زهوان إلى جبهة التحرير الوطني ومكتبها السياسي عام 1964، لكن التجاذبات التي عرفتها الجبهة وبالخصوص بين جناحي أحمد بن بلة وهواري بومدين، بين الأول الذي يدفع بتصور اشتراكي راديكالي، والثاني الذي يسعى لتأسيس كيان بأقطاب تكنوقراطية، سيضطر زهوان في البداية تأييد الخيار الثاني والذي سرعان ما سينقلب عليه ويغادر بذلك الجبهة ليؤسس إلى جانب محمد حربي وبشير حاج  تجربة “منظمة مقاومة الشعب”، وهو تنظيم سري بنفس ثوري كان مسؤولا على العديد من الاحتجاجات العمالية والطلابية في الجزائر المستقلة.

هذا الخيار الثوري، وضع الرجل في مواجه مباشرة مع رفاق الأمس، الماسكين بزمام السلطة.

بعد نشاطه السياسي الثوري، ومعارضته لخيارات بومدين الانقلابية، سيجد زهوان نفسه في المعتقل، الذي سيقضي فيه ست سنوات بنهاريها المظلم وليلها الحالك بسجن لامبيز الصحراوي القاسي.

وحتى عندما غادر السجن سيجبر زهوان على قضاء سنتين في الإقامة الجبرية، ليهتدي في النهاية إلى أن الخلاص من الملاحقات الأمنية والسياسية لن يكون في اللحظة تلك والسياق ذلك سوى المنفى.

جنازة حسين زهوان
جنازة حسين زهوان

وغادر المناضل الجزائري سنة 1973 بمعية بعض رفاقه إلى تونس، قبل أن يتوجه إلى فرنسا أين كان منفاه، الذي قضاه بمعية عدد من الذوات الجزائرية المناهضة لتوجهات جزائر الاستقلال.

بعد وفاة سجانه، الهواري بومدين، في العام 1978 عاد زهوان إلى الجزائر وهو مثقل بجراح السجون في زمن الثورتين و جاح المنفى، وكان ذلك سببا كافيا في رفض تقلد أي منصب رسمي.

الدفاع عن حقوق الإنسان

خلال منفاه الاضطراري في فرنسا، اختار زهوان إتمام تعليمه في القانون، وهو التكوين الذي أهله أمام زهده في المناصب الرسمية لولوج مهنة المحاماة.

كرس مساره المهني للدفاع عن النشطاء السياسيين ومعتقلي الرأي، وكان آخرهم معتقلي “حراك الجزائر”.

بعد عودته من المنفى كرس جده اكثر للعمل الحقوقي، ولهذا الغرض أسس إلى جانب رفاق أخرين “الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان”، وهي الجمعية التي وقفت وساندت نضالات الجزائريين على مدار ثلاثة عقود، قبل أن تقوم السلطات هناك باغتيالها وحضرها بواسطة قرار قضائي.