ناجي العماري يكتب سلسلة “تساؤلات مغربية” المقال (16): هل نحن أمام دورة جديدة من إعادة إنتاج السلطة؟ أم أن هناك تحولًا جذريًا قادمًا؟

ناجي العماري

بقلم : ناجي العماري

عبر العصور، كان السؤال الفلسفي حول طبيعة التاريخ يقف بين رؤيتين متعارضتين: الأولى، تفترض أن التاريخ يتقدم وفق خط مستقيم، يتحرك نحو المستقبل عبر مراحل من التطور والتغيير. والثانية، تعتبر أن التاريخ يسير في دورات متكررة، حيث تعيد السلطة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، لكن الجوهر يظل ثابتًا.

إذا نظرنا إلى المغرب اليوم، نجد أنفسنا أمام هذا السؤال: هل ما نشهده هو بداية تحول حقيقي في بنية الحكم، أم أننا أمام دورة جديدة من إعادة إنتاج السلطة، حيث يتم استبدال الأشكال دون المساس بالجوهر؟

هيغل رأى أن التاريخ يتقدم عبر تناقضاته، حيث يخلق كل وضع جديد نقيضه، إلى أن يصل إلى تجاوز جدلي يحسم الصراع. في المقابل، نيتشه رأى أن التاريخ يتحرك في “عود أبدي”، حيث تعيش الشعوب نفس الأحداث لكن في صور مختلفة، دون أن يكون هناك تغيير جوهري.

إذا طبقنا هذا المنظور على الحالة المغربية، نجد مفارقة واضحة:

  • من جهة، هناك ديناميات سياسية واجتماعية واقتصادية تُوحي بأن البلاد تسير نحو تحول حقيقي.
  • من جهة أخرى، هناك استمرارية واضحة في البنية السلطوية، حيث يتم امتصاص التغييرات داخل منظومة لا تسمح بتحولات جذرية.

فهل نحن أمام قطيعة مع الماضي، أم أن المغرب يمر بمرحلة من “التكيّف السلطوي”، حيث يتم تعديل آليات الحكم دون تغيير حقيقي في بنيته؟

السلطة بين التكيف والاستمرارية: هل يمكن الخروج من الحلقة المغلقة؟

لقد أثبت النظام السياسي المغربي مرونة فائقة في امتصاص الأزمات وإعادة تشكيل نفسه، دون المساس بجوهره. فكل مرحلة تاريخية كان يُنظر إليها باعتبارها بداية تغيير، انتهت إلى إعادة إنتاج للقديم بشكل جديد.

  • في الستينيات والسبعينيات، كان الصراع بين السلطة والمعارضة اليسارية شرسًا، لكنه انتهى بدمج جزء من المعارضة داخل النظام.
  • في التسعينيات، جاء “التناوب التوافقي”، حيث تم إشراك المعارضة في الحكم، لكن السلطة الحقيقية ظلت في يد نفس الدوائر.
  • في 2011، مع موجة “الربيع العربي”، استُجيب للمطالب الشعبية بتعديلات دستورية، لكنها لم تؤدِّ إلى تغيير جوهري في ميزان القوى.

إذن، هل ما نراه اليوم استمرار لهذه الديناميكية، أم أن هناك مقدمات لتحول أعمق؟

هل هناك إمكانية حقيقية للتغيير الجذري؟

يقول أنطونيو غرامشي: “الأزمة تحدث عندما يموت القديم، لكن الجديد لم يولد بعد”، وهذا قد ينطبق على المغرب اليوم. فنحن نعيش مرحلة انتقالية، حيث يبدو أن النماذج التقليدية للحكم وصلت إلى حدودها، لكن البديل لم يتبلور بعد.

  • هل هناك قوى سياسية قادرة على بلورة مشروع جديد، يتجاوز الإصلاحات الشكلية إلى تغيير حقيقي؟
  • هل يمكن للجيل الجديد أن يفرض نموذجًا جديدًا للحكم، أم أن البنية السلطوية التقليدية لا تزال قادرة على امتصاص كل محاولات التغيير؟
  • وهل يحتاج المغرب إلى “ثورة هادئة”، أم أن التحولات الجذرية لا تزال غير ممكنة في ظل التوازنات الحالية؟

إذا كان التاريخ يعيد نفسه، فهل يمكننا كسره؟ أم أننا محكومون بالدوران في نفس الدائرة؟