“التقليل من قدرات المقاومة”، والاستخفاف بها بل ومن مصادرة “حقها” في فعل المقاومة، ومن قدراتها على تغيير الواقع الفلسطيني، ليس أمرا طارئا أو وليد لحظة السابع من أكتوبر وما تلاه كما يرى العديد من المتابعين.
بل إن وضع “الإنكار”، كان قائما دائما وعلى مر تاريخ الصراع، خاصة في مواجهة بعض العمليات التي نفذتها المقاومة، والتي كانت بعض الدول خاصة العربية تخشى من تداعياتها على علاقاتها بالدول الاخرى بما فيها اسرائيل والولايات المتحدة.
لعل أبرز تجل لهذه الحالة اليوم، هو ما لحق عملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها حركة المقاومة الاسلامية حماس، في السابع من أكتوبر.
وما ينطبق على الدول في الواقع ينطبق على الأفراد، الذين ترتبط مصالحهم بشكل أو بأخر بمراكز النفوذ الاسرائيلي والامريكي على وجه الخصوص.
مناسبة هذا الكلام، هو أن بعض الشخصيات المغربية لم تكن بمنأى عن “مسار” شيطنة المقاومة، وإن كانت في بعض الأحيان هذه الشيطنة ترتدي لبوسا إيديولوجيا لمحاولة تصريف الموقف من فعل المقاومة بحد ذاته.
قد يجد هؤلاء حسب تعبير بعض المتابعين تصحيحا لموقفهم، ولربما حتى لمسارهم، فيما قاله قبل 53 عاما الزعيم اليساري عمر بنجلون، عن فلسطين ومقاومته في المحاضر التي ألقاها بكلية العلوم بالرباط عام 2791، وأعادت نشرها مجلة ”أقلام” المغربية، في العدد 1 الصادر في شهر ماي 1972.
ومما جاء على لسان بنجلون “بالنسبة لقضية تحرير فلسطين، المبدأ بسيط ألا وهو حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ولا حاجة في أن نؤكد عروبتنا عند إقرار هذا المبدأ الذي لا نزاع فيه. إلا أن الاعتراف به، يعني أولا وقبل كل شيء الاعتراف لشعب فلسطين أن يقرر هو وحده الوسائل والاستراتيجية والتكتيك لتحرير وطنه”.
والاعتراف الفعلي بذلك يقول الزعيم اليساري الذي اغتيل بعد 3 سنوات من هذه المحاضرة “هو تأييد جميع المبادرات التي يرتئي اتخاذها، في الميدان، والامتناع عن التساؤلات حول “الحلول” وإلا سوف يصبح المبدأ مجرد شعار فارغ من كل مدلول”.
وبالنسبة إليه هذا هو موقف ”جميع مؤيدي شعب فيتنام”، الذين يكتفون بمساندة جميع مبادرات بطل الشعوب سواء هجم، أو تفاوض، أو تحمل القنابل، وذلك بدون أن يغرقوا قضيته في ملابسات.. ولا ”تجرى أية مهاترات حول الاستراتيجية والتكتيك، وحول الحلول، عسكرية كانت أو ديبلوماسية، إذ أن هناك نظرة شاملة للقضية، نظرة واضحة أساسها أن الشعب الفيتنامي يكافح من أجل إجلاء الامبريالية من بلاده، ويقبل التضحيات اللازمة، وله وحده الصلاحية لإيجاد وقبول الحل الذي يعتبره مناسبا لأهدافه”
وتبعا لذلك يرى بنجلون أنه يبدأ النقاش حول “الحل” باعتبار ضعف الثورة الفلسطينية، ووجود دولة قوية عسكريا، والوضع الذي تعيش عليه الدول العربية المجاورة الخ..
ويبدأ يقول نفس المتحدث “إذن النقاش حول الواقع، وبالتالي حول الواقعية وحلولها وحول التطرف والاعتدال وتصبح المسألة تكتيكية، مسألة التوفيق بين العناصر المكونة لأزمة الشرق الأوسط”.
والنتيجة حسب بنجلون “يفرغ” المبدأ من كل مدلول، ويختفي وراء التساؤلات حول ”الحل” العملي باعتبار تمركز إسرائيل الاقتصادي والبشري والعسكري من جهة، والضربات التي تتلقاها الثورة الفلسطينية من لدن العملاء من جهة أخرى، والإمكانيات التي مازالت بيد الدول العربية لعرقلة سير الثورة .
فكثرة التساؤلات يقول الزعيم اليساري “راجعة” إلى الارتباط بين الاتجاهات والقوات التي لها صلة بالمشكلة الفلسطينية- فالتساؤلات هذه لا تجد جوابا، وتنشأ عنها “الحلقات المفرغة” وتنمو” لتنتهي إلى التباكي حول عدم قدرة العرب ودولهم على توحيد الموقف والجهود ـ وكذلك إلى انتقاد المقاومة وأخطائها وانقساماتها”.

