تشهد مدينة إمزورن، التابعة لإقليم الحسيمة، خلال شهر رمضان، نشاطًا مكثفًا على المستوى الاجتماعي والديني، حيث تبرز عدة مبادرات خيرية تتمثل في تنظيم إفطارات جماعية، وتوزيع المساعدات الغذائية على الفقراء، إلى جانب أنشطة ثقافية ودينية مثل المحاضرات والمواعظ واستقدام قرّاء مشهورين لإمامة صلاة التراويح. وقد كان من أبرز هذه الفعاليات في رمضان الحالي محاضرة ألقاها الداعية ياسين العمري و إمامة المقرئ لعيون الكوشي لآلاف المصلين في إحدى ليالي التراويح، في مشهد يعكس تنامي الإقبال على الشعائر الدينية في المدينة.
تحولات دينية واجتماعية لافتة
لم تكن إمزورن، على غرار العديد من مدن الشمال، معروفة تقليديًا بهذا النوع من الفعاليات الدينية المكثفة، حيث كان التدين في المنطقة يأخذ طابعًا شعبيًا ، يرتبط في جزء منه بالتصوف والممارسات الروحية البسيطة اذا ما استثنينا المد السلفي التقليدي الذي سرعان ما توارى لأسباب لا يتسع المجال لذكرها . لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا واضحًا نحو تدين أكثر تنظيمًا، يتجسد في انتشار دروس الوعظ، والحلقات الدينية، والأنشطة الخيرية التي تقودها جمعيات محلية ودعاة شباب يحسب لهم المساهمة بشكل فعال في المجتمع .
يعود هذا التحول إلى عدة عوامل، منها تزايد التأثير الديني في الفضاء العام، خاصة مع تنامي حضور وسائل التواصل الاجتماعي التي تتيح الوصول إلى خطب ودروس لعلماء وفقهاء من مختلف التوجهات. كما لعبت الهجرة إلى أوروبا دورًا مهمًا، حيث عاد بعض المهاجرين بمنظور ديني أكثر التزامًا، ساهم في نشر نمط جديد من التدين داخل المجتمع المحلي.
نقاش مجتمعي وفكري متصاعد
غير أن هذا التطور لم يمر دون إثارة نقاش مجتمعي وفكري، خاصة بين النخبة اليسارية والعلمانية التي ترى في هذا المد الإسلامي المنظم خروجًا عن النسق الديني التقليدي للمنطقة، الذي لطالما اتسم بالانفتاح والتسامح والبعد عن التنظيمات الدينية ذات الطابع السلفي أو الحركي.
بالنسبة لهذه الفئة، فإن تصاعد هذه الأنشطة قد يكون مؤشرًا على تغيير في هوية المنطقة، وربما تهديدًا للتنوع الثقافي والفكري الذي طالما ميز منطقة الريف، خاصة أن هذه الأنشطة لا تقتصر على الجوانب الدينية، بل تمتد إلى توجيه الشباب نحو أنماط معينة من السلوك والتفكير، قد تؤدي إلى انغلاق ثقافي على حد تعبير بعضهم.
في المقابل، يرى المدافعون عن هذا الحراك الديني أنه فرصة إيجابية لإنقاذ الشباب من بعض الظواهر السلبية، مثل الإدمان، والعنف، والتسكع في الشوارع، من خلال إشراكهم في أنشطة دينية واجتماعية تعزز لديهم قيم الالتزام والانضباط والمسؤولية. كما يعتبر هؤلاء أن هذه الصحوة الدينية تعكس حاجة مجتمعية نابعة من داخل السكان أنفسهم، وليست مفروضة من أي جهة خارجية.
بين الحفاظ على التقاليد والانفتاح على المتغيرات
ما بين الموقفين، يبقى الواقع أكثر تعقيدًا، إذ أن التحولات الدينية في إمزورن تعكس دينامية اجتماعية طبيعية تحدث في العديد من المجتمعات، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الناس إلى البحث عن بدائل روحية ومعنوية تمنحهم الأمل والاستقرار. كما أن وجود تيارات فكرية مختلفة داخل المدينة يعكس تنوعًا صحيًا، يمكن أن يؤدي إلى توازن بين الحداثة والتقاليد، وبين التدين والانفتاح الفكري.
وبينما يبقى الجدل مستمرًا، تظل إمزورن نموذجًا لمدينة تعيش على وقع التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة المغاربية ككل، حيث يتداخل البعد الديني، والاجتماعي، والثقافي في تشكيل هوية محلية متجددة، تحاول أن تجد لنفسها موقعًا بين التمسك بالجذور والانفتاح على العصر.
*محمد التكانتي

